ليس من المستغرب أن تتوالى حملات التشويه والإفك والبهتان على الإخوان المسلمين، بل إن الأمر الذي من الممكن أن يثير الدهشة والاستغراب أن تتوقف هذه الحملات أو أن تخفَّ وتيرتها وحدتها، وهو أمر إن حدث فهو مؤشر ودلالة على حالة غير صحية تستوجب التوقف والمراجعة من جانب الجماعة.
وإذا كنا قد تعوَّدنا في السابق وعلى مدى عشرات السنين على هذه الحملات التي لم تزد الجماعة إلا تماسكًا وقوة وصلابة وشعبية فإن هذه الحملات الجديدة القديمة المستمرة لن تلقى إلا مصير الحملات السابقة ولن تفت في عضد الجماعة ولن تزيدها إلا قوة وصلابة، بالرغم من شدة هذه الحملات واتساع نطاقها ووسائلها وسيطرة القوى المعادية للمشروع الإسلامي على وسائل الإعلام خاصة الفضائيات التي ركبها عفريت اسمه الإخوان.
والجديد في هذه الحملات تواري الاتهامات القديمة المعلبة الموجهة ضد الإخوان عن النظام الخاص والإرهاب وقتل الخازندار والنقراشي... إلى آخر هذه الأسطوانة المشروخة والمكررة التي مللنا من كثرة سماعها وترديدها والرد عليها، إلا أن الجديد في هذه الحملات هو بعض التغيير في نوعية الاتهامات وهو تغيير في النوع لا في الدرجة ويتواكب مع تطورات الأحداث بعد ثورة 25 يناير، خصوصًا منذ استفتاء 19 مارس، وإن كانت معظم الجوقة تقريبًا التي اعتادت ترديد الاتهامات هي هي لم تتغير، فمنذ اندلاع معركة الدستور أولاً مرورًا بالانتخابات البرلمانية وانتهاءً بتشكيل الجمعية التأسيسية؛ والهجوم يتوالى على الإخوان عن طريق الإلحاح على اتهامات معينة وصياغتها في شكل جمل صغيرة وتردديها بصفة مستمرة حتى ترسخ في الأذهان ويتم التعامل معها كأنها حقائق ومسلمات لا تقبل التشكيك.
ففي البداية انطلقت الاتهامات بأنهم لم يشاركوا في الثورة إلا بعد التأكد من نجاحها، والغريب أن الذين يرددون هذه الاتهامات يقرون بنزول الإخوان الميدان يوم 28 يناير، وإذا سلمنا بصحة هذا الاتهام وهو غير صحيح وتم الرد عليه مرارًا- ولكن الهدف ليس معرفة الحقيقة- إذا سلمنا بذلك فهل كانت الثورة فعلاً قد نجحت قبل يوم الجمعة28 المعروفة بجمعة الغضب، والتي شهدت الانهيار الأمني ونزول الجيش فقرر الإخوان النزول والمشاركة؟! وإذا كانت الثورة قد نجحت في الثلاثة أيام الأولى فماذا كان يحدث في باقي الأيام الثمانية عشرة للثورة؟!
ويرتبط بهذا الاتهام الاتهام بركوب الثورة والقفز عليها، أما الاتهام الرئيسي والمتواصل ليل نهار وبإلحاح شديد على الفضائيات فهو عقد صفقة مع المجلس العسكري، ونسي أصحاب الاتجاهات الأخرى أو تناسوا أن الإخوان هم أول من طالبوا المجلس العسكري بسرعة العودة إلى ثكناتهم والالتزام بالجدول الزمني الذي أعلنوه، وأنهم هم الذين طالبوا ببقاء المجلس العسكري في السلطة سنتين أو ثلاثًا، بل طالب البعض بأن يتولى المشير طنطاوي رئاسة الجمهورية بحجة عدم استعدادهم للانتخاب مقارنةً بالإخوان الأكثر تنظيمًا، ثم عادوا ليطالبوا بما كان يطالب به الإخوان من عودة العسكر إلى ثكناتهم، وهو ما يحملهم والمجلس العسكري المسئولية عن إطالة الفترة الانتقالية وما صاحبها من أزمات.
والحقيقة أن القوم غارقون حتى أذنيهم في التفسير التآمري الذي طالما رموا به الإسلاميين، وهو أمر ليس بالجديد على أي حال، فمن يتتبع كتاباتهم عن تاريخ الإخوان تجدها غارقة في الحديث عن المؤامرات، فحديث الصفقات ليس بجديد فحسن البنا في زعمهم عقد الصفقات مع السراي وأحزاب الأقلية والإنجليز والأمريكان، كما عقد الإخوان الصفقات مع أمن الدولة والنظام السابق وحاليًّا مع المجلس العسكري، فتاريخ الإخوان في نظرهم سلسلة من المؤامرات والصفقات التي لا تنقطع، ومن يقرأ كتاباتهم عن الصفقات يتخيل مكتب الإرشاد- أو مجلس الصفقات من باب أولى- يبدأ يومه بعبارة "الصفقة إيه النهاردة!!".
ومن العبارات التي يلح عليها الإعلام هذه الأيام أن الإخوان يريدون "التكويش" على السلطة في مصر وأنهم الحزب الوطني الجديد، ومن يقرأ هذا الكلام يتصور أن الإخوان قد استحوذوا على كل مناصب الدولة!، وأسأل هؤلاء: هل يوجد رئيس مدينة واحد من الإخوان؟ هل يوجد محافظ واحد من الإخوان؟ هل يوجد وزير واحد من الإخوان؟ هل يوجد عضو واحد من الإخوان في المجلس القومي لحقوق الإنسان أو مجلس أمناء اتحاد الإذاعة والتلفزيون أو أي من المجالس التي تملأ بر مصر؟ هل يوجد رئيس تحرير واحد لصحيفة قومية مصرية- مهما كانت هذه الصحيفة- من الإخوان؟ هل يوجد رئيس مؤسسة أو هيئة واحدة من مؤسسات وهيئات البلد من الإخوان؟
الغريب أن الأماكن التي يوجد فيها الإخوان كالبرلمان وبعض النقابات هي بالانتخاب الحر المعبر عن الإرادة الشعبية، وليست انتخابات الحزب الوطني ونظامه البائد، بينما يملأ أصحاب الاتجاهات الأخرى والفلول جميع مناصب الدولة التنفيذية وغير التنفيذية، ويقبضون على جميع مفاصل الدولة، فأين السادة "بتوع" تكويش الإخوان على الدولة وعقدهم الصفقات مع المجلس العسكري؟!!!!
-----------
* مدرس التاريخ الحديث والمعاصر كلية التربية – جامعة دمنهور- dsafouthousin20020@gmail.com