* خطورة مشكلة الفقر:
يعتبر الفقر من أهم المشكلات التي تؤثر على عقيدة ومُثل وأخلاق وسلوكيات وفكر وثقافة الفرد والأسرة والمجتمع والدولة، ولقد اهتم الإسلام به اهتمامًا بالغًا، ووضع الضوابط التي تحجمه وتكبح طغيانه والحلول التي تعالج أسبابه، وذلك بهدف المحافظة على الأمة الإسلامية عزيزة وقوية.
ولقد منّ الله سبحانه وتعالى على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فقال له: (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (6) وَوَجَدَكَ ضَالًا فَهَدَى (7) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (8)) (الضحى)، كما منّ على قريش فقال لهم: (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (4)) (قريش)، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا أن ندعو الله فنقول: "اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر، اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر" (رواه أبو داود)، ويقول أيضًا: "اللهم إني أعوذ بك من الفقر والقلة والذلة، وأعوذ بك من أن أظلِم أو أَظلم" (رواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه).
* أثر مشكلة الفقر على العقيدة والأخلاق:
يربط فقهاء الإسلام بين الفقر وعقيدة الإنسان وأخلاقه وسلوكياته، فعلى سبيل المثال يقول السلف: "إذا ذهب الفقر إلى بلد قال له الكفر خذني معك"، ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كاد الفقر أن يكون كفرًا" (رواه أبو نعيم في الحلية عن أنس).
كما أن الفقر يهيئ النفس البشرية ضعيفة الإيمان لتنحرف إلى مسالك المرتشين والمنافقين واللصوص وقطاع الطرق وقرناء الشياطين والكذابين، كما أنه يولد عند بعض الناس الحقد والكراهية والبغضاء من الذين وسّع الله عليهم في الأرزاق، أي أن الفقر أحيانًا يقود إلى رذائل الأخلاق ومنها على سبيل المثال: السرقة، والاغتصاب، والكذب، وهتك الأعراض، والرشوة، والتجسس لحساب الأعداء ونحو ذلك من أشكال الفساد الاقتصادي الاجتماعي والسياسي ونحو ذلك.
* أثر مشكلة الفقر على السلوكيات:
كما أن للفقر آثارًا سيئة على سلوكيات الفرد غير المنضبط إسلاميًا، مثل ارتكاب الفواحش، والتعاون مع عباد الله غير الصالحين، وكثيرًا ما نجد من أساليب تجنيد الجواسيس والعملاء لحساب أعداء المسلمين هو المال، كما أن من أساليب إغراء بعض النسوة الفقيرات على ارتكاب الفاحشة هو المال لمعالجة فقرهم.
ومن أخطر آثار مشكلة الفقر أنه يفقد الفرد حريته في إبداء رأيه، ويعتمد أعداء الإسلام على ذلك في إذلال المسلمين عن طريق رغيف الخبز، ويعتبر سلاح الجوع والتجويع النموذج العملي الواضح؛ حيث تستغله الدول الغنية للسيطرة على فكر وثقافة الدول الفقيرة.
ويعتبر الحصار الاقتصادي الذي فرضته قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم والذين آمنوا معه من السنة السابعة إلى السنة العاشرة من البعثة ليجعل هؤلاء المسلمين يرتدون عن دينهم نموذجًا فريدًا لثبات المسلم على عقيدته ورأيه ضد سلاح الكفر وسلاح الفقر، ولقد اهتم المسلمون بآثار مشكلة الفقر على الحرية وسلامة إبداء الرأي، فقد ورد في كتاب (مشكلة الفقر وكيف عالجها الإسلام) للدكتور يوسف القرضاوي، أن جارية الإمام أبي حنيفة قالت له يومًا في مجلسه: إن الدقيق نفد، فقال لها: "قاتلك الله، لقد أضعت من رأسي أربعين مسألة من مسائل الفقه"، كما أنه قال: "لا تستشر من ليس في بيته دقيق".
وكان للفقهاء من السلف صنايع (أعمال)، فهذا حداد، وهذا ساعاتي، وهذا نجار، وهذا خواص ليحصل من هذه الصنعة على رزق يغنيه عن الفقر حتى يكون حرًّا في فتواه وإبداء رأيه، وألا يكون أسيرًا للمال.
* المنهج الاقتصادي الإسلامي في علاج مشكلة الفقر:
لقد وضع الإسلام مجموعة متكاملة من الوسائل العملية الجادة لمعالجة آثار الفقر على مستوى الفرد والأسرة والدولة منها على سبيل المثال:
أولًا: العمل الجاد والضرب في الأرض ابتغاء الرزق الطيب الحلال، وفي هذا يقول الله عز وجل: (فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (10)) (الجمعة)، ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أشرف الكسب كسب الرجل من يده"، ويقول صلى الله عليه وسلم: "ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده" (رواه البخاري)، فالعمل في الإسلام من موجبات الحصول على الرزق الحلال الطيب، ولا يجوز للفرد أن يعيش عالة حتى لا يفقد حريته وعزته ورأيه، فقد قال الشيخ محمد متولي الشعراوي: "من لم يملك فأسه لا يملك رأسه".
ثانيًا: الهجرة والضرب في الأرض ابتغاء الرزق الحلال الطيب، ولقد أمرنا الله بذلك فقال: (وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً) (النساء: من الآية 100)، ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سافروا تستغنوا" (رواه الطبراني)، ويقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "ما من حال يأتيني عليها الموت بعد الجهاد في سبيل الله أحب إلي من أن يأتيني وأنا ألتمس من فضل الله"، وأساس ذلك قول الله تبارك وتعالى: (وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) (المزمل: من الآية 20)، ويلاحظ أن الأمة الإسلامية مليئة بالخيرات والطيبات، فلماذا لا يهاجر المسلم الفقير من بلد إلى بلد للعمل وابتغاء الرزق الحلال الطيب لمعالجة فقره بدلًا من أن يعيش عالة على الناس أعطوه أو منعوه.
ثالثًا: التعاون بين الأقطار الإسلامية في الاستخدام الرشيد للموارد الطبيعية ولا يجوز أن يكون هناك أنانية وتسلط من دولة إسلامية غنية وتكون هناك دولًا إسلامية فقيرة، وأساس ذلك قول الله تبارك وتعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (2)) (المائدة).
ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس بمؤمن من بات شبعان وجاره إلى جنبه جائع وهو يعلم" (رواه الطبراني والبيهقي وإسناده حسن)، كما يقول كذلك: "مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم، كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائل الجسد بالحمى والسهر" (أحمد)، ولننظر الآن ماذا يحدث لو أن الدول الغنية تعاونت مع الدول الفقيرة في كلِّ المجالات لعولجت مشكلة الفقر ولتحققت العزة الإسلامية.
رابعًا: نظم زكاة المال والصدقات التطوعية والجارية ونظام الوقف الخيري والأهلي ونظام التكافل الاجتماعي الإسلامي من أهم الأساليب لمعالجة الفقر وكلِّ الأمراض والأوجاع والأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، فيقول الله عز وجل: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (60)) (التوبة)، ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: "فأخبرهم أن الله قد افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وتعطى لفقرائهم" (رواه الجماعة عن ابن عباس)
كما يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "إن الله فرض على أغنياء المسلمين في أموالهم بالقدر الذي يسع فقراءهم، ولن يجهد الفقراء إذا جاعوا أو عروا إلا بما يصنع أغنياؤهم، ألا وإن الله يحاسبهم حسابًا شديدًا أو يعذبهم عذابًا أليمًا".
كما أن نظام الصدقات والكفارات ونظام التكافل الاجتماعي من أبرز سمات المنهج الإسلامي لمعالجة الفقر علاجًا كريمًا طيبًا، والذي طبق في صدر الدولة الإسلامية، وحقق حد الكفاية للمسلمين، والنموذج العملي لذلك ما حدث في عهد الخليفة عمر بن عبد العزيز عندما عندما طبقت نظم التكافل الاجتماعي تطبيقًا شاملاً عولجت مشكلة الفقر، ولم يجدوا فقيرًا ولا مسكينًا ليعطوه الزكاة، فأمر الخليفة عمر بأن ينادي المنادي في الناس: "أين الناكحون؟ أين الغارمون؟".
خامسًا: توجيه الاستثمارات إلى المشروعات الإنتاجية في مجال الضروريات والحاجيات التي تخدم أكبر طبقة من الفقراء لتوفير الحاجات المعيشية لهم من الطعام والشراب والملبس والمأوى والعلاج والتعليم ونحو ذلك، كما أنها تساهم في تشغيل أكبر عدد من العاطلين الفقراء وتحولهم إلى ثروة قادرة على الكسب الحلال الطيب.
* سياسات اقتصادية إسلامية مقترحة لعلاج مشكلة الفقر:
يقع على ولي الأمر في الدولة الإسلامية وضع سياسات اقتصادية مسئولة لمعالجة مشكلة الفقر بما لديه من سلطات وإمكانيات لا تتوافر لدى الأفراد، نذكر منها على سبيل المثال:-
- سياسات توجيه أموال الزكاة نحو المصارف التي تعالج مشاكل الفقراء، وأصل ذلك قول الله عز وجل: "إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ" (التوبة: من الآية 60)، وله سلطة تجميع أموال الزكاة وصرفها في هذه المصارف الشرعية، ويخصص لذلك موازنة مستقلة بعيدًا عن الموازنة العامة للدولة، وتكون تحت إشراف مؤسسات المجتمع المدني.
سياسة التوظيف (فرض ضرائب) على أموال الأغنياء إذا لم تكف حصيلة الزكاة في سدِّ احتياجات الفقراء، وهذا جائز شرعًا، فقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أفي المال حق غير الزكاة؟’ فقال صلى الله عليه وسلم: "نعم"، ولا بد أن يؤخذ هذا المال بالحق، وينفق بالحق، ويمنع من الباطل.
- سياسات تهيئة فرص العمل للعاطلين بما لديه من سلطات وإمكانيات ولا سيما فيما يتعلق بمصادر الثروة الطبيعية التي تعتبر من مقومات العمل، والدليل على ذلك ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم مع الصحابة الذي جاءه يسأله الصدقة، فقال له رسول الله عليه وسلم: "ما عندك"؟، قال الصحابي عندي حلس وكعب، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "ائتني بهما"، ففعل الصحابي، وباعهما الرسول صلى الله عليه وسلم بدرهمين، وقال للصحابي: "خذ هذا الدرهم واشتر به طعامًا لأهلك، واشتر بالدرهم الآخر قدومًا، واذهب واحتطب، ولا تريني وجهك أربعة عشر يومًا"، ففعل الصحابي، ورجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ادخر عشرة دراهم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هذا خير من أن تأتي المسألة نكتة في وجهك يوم القيامة" (رواه البخاري).
- سياسات تسهيل هجرة العاملين للعمل في المدن الجديدة بعد تهيئتها للعمل أو إلى الدول الإسلامية التي لديها فرص عمل بعد عمل الاتفاقيات التي تحافظ على حقوقهم المعنوية والمالية، فالتعاون بين الدول الإسلامية من الموجبات الدينية، وأصل ذلك قول الله تبارك وتعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى) (المائدة: من الآية 2)، ويقول الفقهاء: "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب".
- سياسات تحقيق الأمن والأمان المعنوي والمالي للعامل من خلال إصلاح نظام الأجور والمكافآت والتأمينات والعلاج ونحو ذلك حتى يعيش آمنًا في سربه معافى في بدنه عنده قوت يومه، لأن اليد الخائفة لا تعمل ولا تنتج ولا تبدع.
- سياسة ترشيد الدعم الاجتماعي للطبقة الفقيرة غير القادرة على العمل وربطه بتكلفة الأعباء المعيشية وبارتفاع الأسعار، وهذه من مسئولية ولي الأمر، ومن مسئولية مؤسسات المجتمع المدني الخيرية والاجتماعية، ومن مسئولية الأفراد الأغنياء الذين ليهم سعة من المال في إطار التكافل الاجتماعي، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس منا من بات شبعانًا وجاره جائع وهو يعلم".
الخلاصة:
لقد اهتم الإسلام عقيدة وأخلاقًا وشريعة بمشكلة الفقر ووضع لها الضوابط الشرعية، وكذلك الأساليب والأدوات العملية لعلاجها وتحقق ذلك في الواقع العملي في صدر الدولة الإسلامية، والنموذج لذلك ما حدث في عهد الخليفة عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه.
ويقوم المنهج الإسلامي لعلاج مشكلة الفقر على السياسات والأساليب الآتية:
- الحث على العمل الإنتاجي الذي يحقق قيمة مضافة في مجال الضروريات والحاجيات.
- توجيه الاستثمارات نحو المشروعات الإنتاجية التي هي أكبر رزق ومنفعة للفقراء ومن في حكمهم.
- تحفيز القادرين على العمل للهجرة إلى المدن الجديدة، مع توفير مقومات الحياة والعمل الحلال الطيب لهم.
- تيسيير الهجرة إلى البلاد الإسلامية الذين يحتاجون إلى عمالة مع وضع الضمانات التي تحفظ حقوقهم المعنوية والمالية تحت رعاية الحكومات.
- تطبيق نظم زكاة المال والصدقات التطوعية وتخصيص موازنة مستقلة عن الموازنة العامة للدولة، وتكون تحت رعاية مؤسسات المجتمع المدني الخيرية.
- إحياء نظام الوقف الخيري وترشيد دوره في نفع أكبر طبقة من الفقراء والمساكين ونحوهم.
- ترشيد الدعم الاجتماعي بحيث يصل إلى مستحقيه بالعدل وربطه بتكلفة الأعباء العائلية وتوجيهه إلى الطبقة الفقيرة غير القادرة على العمل.
والحمد لله الذي بنعمته تتم الأعمال الصالحات.
-----------
* الأستاذ بجامعة الأزهر- خبير استشاري في المعاملات المالية الشرعية والمشرف على موقع دار المشورة للاقتصاد الإسلامي
www.Darelmashora.com