ما زال مشهد الأطفال الذين تم استخدامهم في أحداث التحرير وقصر العيني وشارع محمد محمود، وحضهم على القيام بأعمال العنف والتخريب التي قاموا بها، عالقًا في أذهان الكثير من الأسر المصرية، خاصةً بعدما كشفت تلك الأحداث عن إقحام أطفال أبرياء ليسوا من أطفال الشوارع إنما تركوا مدارسهم وجاءوا لميدان التحرير لمشاهدة الأحداث، أو غيرهم تم الدفع بهم من قِبل جهات معينة لتحقيق أغراضها.

 

وما زال العرض مستمرًّا؛ حيث يتناثر أطفال الشوارع هنا وهناك، ويتم التلاعب بهم واستغلالهم من قِبل جهاتٍ ما؛ لتحقيق أهدافها الخاصة داخل المجتمع من تدميره واختلاق المشكلات وإشعالها، فما زال خطر استهدافهم واستئجارهم قنبلةً موقوتةً تُهدد أمن مصر، فقد وصل عددهم ما بين مليون ونصف المليون إلى 2 مليون طفل ما زالوا يسكنون الشوارع ومحرومين من الطعام والسكن والغطاء والاحترام والتعليم، منتظرين مَن يمد يد العون لهم مهما كان الثمن، وبالتالي يُساهمون في ضرب أمن مصر دون أن يشعروا.

 

فما تحليل الخبراء من مختلف التخصصات لتلك الأزمة؟، وكيف يمكن مواجهة تلك الظاهرة على المدى القريب والبعيد؟، خاصةً ونحن في فترة بناء ونهضة وتعمير وتغيير بعد ثورة 25 يناير؟، وقبل أن تتفاقم الأزمة وتنفجر القنبلة؟.

 

(إخوان أون لاين) يفتح ملف أطفال الشوارع واستغلال الأطفال؛ فإلى التحقيق:

توضح الدكتورة عزة كريم أستاذ علم الاجتماع بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، أن أطفال الشوارع لهم طابع خاص قد لا يعلمه الكثيرون، فهم مجموعة من الأطفال هجروا بيوتهم وأسرهم بإرادتهم الخاصة نتيجة للتفكك الأسري والفقر والمعاناة، فخرجوا للشارع ليتعاملوا معه بكل حريةٍ وانطلاقٍ، وليس لديهم أخلاق أو التزام، بل أصبح لهم أفكار خاصة بهم فقط، أهمها هو أنهم من الممكن أن يقوموا بفعل أي شيء من أجل المال كالسرقة والكذب والنصب وحتى القتل طالما أن هناك عائدًا من وراء ذلك.

 

وتضيف أنه ليس هناك أحد يسأل عنهم أو يهتم بأمرهم، وبالتالي يصبحون فريسةً سهلةً لأي شخصٍ أو جهةٍ تريد أن تستخدمهم في أي عملٍ تخريبي مثل عصابات المخدرات واللصوص والإرهابيين، كما حدث في أحداث قصر العيني والتحرير، فقد قامت عصابات الحزب الوطني المنحل وفلول النظام باستئجار هؤلاء الأطفال ودفع الثمن لهم من مال وطعام ومخدرات بهدف إشعال العنف، وإثارة أعمال البلطجة؛ لتشويه صورة الثوار والثورة المصرية.

 

وتشدد على أن مَن يزعم أن أطفال الشوارع وُجدوا في الميدان وقصر العيني وأمام الوزارة من أجل مطالب شخصية لهم هو واهم؛ لأن هؤلاء الأطفال ليس لهم أية مطالب، إنما هي مكاسب مادية ليس أكثر طمعًا في الوجبة الساخنة والمعاملة الطيبة من قِبل مَن استقطبوهم، والتي حُرموا منها لسنوات منها.

 

حل في 24 ساعة!

وتشير د. عزة كريم إلى أن حلَّ مشكلة أطفال الشوارع ليس صعبًا لهذه الدرجة، فمن الممكن حل هذه المشكلة فقط خلال 24 ساعة تقوم خلالها أجهزة الدولة المعنية بالقيام بواجبها الذي تأخَّرت عنه طويلاً لتسمح للمشكلة أن تتفاقم، فالكل يعلم جيدًا كيف كانت طريقة تعامل الداخلية مع أطفال الشوارع خلال حكم مبارك عندما يقوم أحد المسئولين بزيارة أحد الأماكن فإنك لا تجد أثناء الزيارة أي طفلٍ منهم إلا بعد انتهاء الزيارة، فسرعان ما يعود هؤلاء إلى أماكنهم مرةً أخرى، إذن القضية فقط إهمال من الدرجة الأولى للجهات المعنية بهذا الأمر.

 

وتضيف أنه لا بد أن يعلم الجميع، خاصةً الجهات المعنية بأطفال الشوارع، أن هؤلاء الأطفال يحبون الشارع ويحبون الحرية التي يجدونها من خلاله، وأنهم أيضًا معرضون للانحراف والاستغلال؛ لذا لا بد أن تكون الخطوة الأولى لحلِّ هذه المشكلة هي أن يتم التعامل معهم بدرجةٍ كبيرةٍ من الحزم من خلال أن تقوم الداخلية بالقبض عليهم جميعًا، وسرعة التحقيق معهم ثم يتم أحد أمرين؛ إما أن يتم تحويلهم إلى مؤسسات اجتماعية وتربوية تُعيد تأهيلهم ليساهموا في نهضة مصر، أو إلى أسرهم بعد البحث عنها.

 

وتضيف أن الخطوة الثانية من الحل هي إعادة هيكلة مؤسسات رعاية أطفال الشوارع من حيث أسلوب التعامل مع هؤلاء الأطفال وتدريب العاملين فيها، وإعادة تأهيلهم مرةً أخرى، بعد ذلك يتم توفير العمل ورعاية جيدة لهم تحت رعاية المؤسسات ومنع الهرب منها.

 

ضحايا السياسة!!

ويؤكد الباحث السياسي الدكتور أيمن السيد عبد الوهاب، أن هذه المشكلة موجودة منذ زمن بعيد، فهي بالفعل قضية كبيرة، فأبناء الشوارع هم أناس عاشوا على هامش المجتمع، وبالتالي فهم ضحايا المجتمع، وأيضًا ضحايا لسياساتٍ كثيرة خاطئة، والآن أصبحت قنبلةً موقوتةً يتم استخدامها الآن بشكلٍ غير آدمي، فهم وجدوا مَن يعطيهم الأكل والشرب والمال، وهم- طبيعي- محرومون من هذه الحقوق ومتعطشون لها، وبالتالي وجدوا أن ما كان يحدث بميدان التحرير هو المأوى لبعضهم في حل جزءٍ من مشاكلهم، وهذه النوعية من أطفال الشوارع غير واعية بذلك لصغر سنهم، ولو وجدوه في مكانٍ آخر غير الميدان لتوافدوا إليه.

 

ويرى أن حل هذه المشكلة يكمن في ثلاث خطوات؛ أولها غلق حنفية التمويل من مستأجري هؤلاء الأطفال، ثم التحقيق معهم ومع مَن يساندهم ويقف وراءهم، ووضعه تحت المساءلة القانونية، ثالثًا إيداع هؤلاء الأطفال أماكن مهيأة لإيوائهم ورعايتهم.

 

ويبين أنه لا بد أن يكون للمجتمع بأكمله دور في منع هؤلاء الأطفال من مواجهة خط النار؛ لأنهم في النهاية ضحايا الحرمان وأداة في أيدي مَن يدفع لهم، فهم لا يدركون أنهم يرتكبون جرائم في حقِّ الوطن، مضيفًا أن المجتمع هو مَن أنتج عقول هؤلاء الأطفال، وهو والثوار وجمعيات حقوق الإنسان مسئولين عن حمايتهم، فنحن الآن ندفع الثمن لسياسات مجتمعية خاطئة، ويجب على هذه السياسات أن تعيد النظر في هذا الأمر، وأن توفر لهم المأوى والملبس والمشرب بعيدًا عن الخطر الذي يتعرضون له والمخاطرة بهم.

 

قانون الطفل

يؤكد محمد بكر المستشار بقضايا الدولة أن قانون الطفل لعام 2008م ينصُّ على معاقبة كل مَن يستغل الطفل فكريًّا أو أخلاقيًّا أو جنسيًّا، وأوضح أن هذا القانون قُصد به الأطفال دون سن الثامنة عشرة، ويوضح أنه إذا ثبت من خلال تحقيق النيابة العامة أو أحد قضاة التحقيق أن شخصًا استغل طفلاً وشجَّعه على أعمال عنف أو بلطجة أو سرقة أو تخريب فإن هذا الشخص يقع تحت طائلة القانون؛ نتيجةً لاقترافه جريمتين، وليست جريمة واحدة، وهما الجريمة الجنائية بالتحريض على العنف والأخرى هي استغلال الأطفال، وقد تصل العقوبة إلى السجن سبعة أعوام.

 

ويشير إلى أن المشكلة ليست في تطبيق العقوبة، وإنما في إثبات الجريمة من الأصل، وهو ما ينتظره الجميع حتى هذه اللحظة؛ حيث إن التحقيقات في القضية ما زالت مستمرة.

 

وأوضح أن الهدف من استغلال أطفال الشوارع كان واضحًا من تزامنه مع فترة الانتخابات، والتي من المتوقع تكرارها في انتخابات الرئاسة، ومن قبلها وضع الدستور؛ وذلك لاختفاء الفلول أو غيرهم من المغرضين خلفهم وتحريكهم كما يشاءون ليدمروا مصر وهم يحركونهم فقط.

 

وحمَّل أنصار النظام السابق مسئولية أحداث العنف والبلطجة الأخيرة واستئجار الأطفال والدفع لهم وإعطائهم بطاطين ومخدرات وطعام حتى يكونوا ذراع الخراب التي تمتد لتخريب البلاد، كما أنهم من البداية هم مَن ضيَّعوا حقَّ أطفال الشوارع وأكلوا أموال الميزانيات التي كانت تُوضع لرعايتهم، ويتساءل: أين ذهبت هذه الميزانيات والأموال؟!.

 

ويطالب الجهات المسئولة والبرلمان بإعادة هيكلة دور الرعايا الاجتماعية لأطفال الشوارع واستهدافها أن تكون جهةً تعليميةً مثل المدارس والجامعات تمامًا، وأن يظهر ذلك من خلال عدة أمور أبرزها، أن يكون هناك تعليم محترم ورعاية صحية ونفسية داخل هذه الدور، ووقف ومنع التعذيب والضرب داخلها، وعمل دورات تأهيلية على أعلى مستوى للعاملين فيها لتأهيلهم للعمل وفقًا لقانون الطفل واحترامه، وكيفية إعادة تأهيله ليصبح فردًا نافعًا للمجتمع، ويقترح أن يتم العمل في هذه المؤسسات تحت إشراف مستشارٍ قانوني يراقب ويحاسب المسئولين والعاملين فيها، ويمنع ضياع حقوق هؤلاء الأطفال.

 

ويستكمل أنه يرى أن التعامل مع هؤلاء الأطفال لا بد ألا يكون على شاكلة الإدانة أو العقاب، أو يتم التنكيل بهم، أو حتى نُشِّهر بهم في وسائل الإعلام، بل دورنا تجاههم هو احتواؤهم ورعايتهم وحمايتهم.

 

ويشير إلى أن قضية أطفال الشوارع ليست وليدةَ الأحداث الأخيرة، فهم موجودون منذ 30 عامًا، وعددهم يتراوح ما بين مليون ونصف المليون إلى 2 مليون وفق أحدث الإحصائيات.