محمود محمد- مصر:

بعد الخطوبة بثلاثة أشهر بدأتُ أتعرف أكثر على خطيبتي ومشاكلها وأمنياتها وأهدافها، فوجئتُ بأن أهل خطيبتي لا يقدرون على جهازها، وكان واضحًا لي من بداية الخطبة الحالة المادية، ولكن كنتُ أتوقع أنهم قادرون على شراء حتى الجهاز من مبلغٍ خاص بهم في البنك أو أي وسيلةٍ أخرى.

 

وأبوها متوفى، وأخوها هو العائل الوحيد لها، وسيأتي بالجهاز، ولكن تلك الأشياء أهلي لا يقبلونها نهائيًّا لأنني صممتُ عليها، وأنا من أسرةٍ ميسورة الحال، وبدأت من هنا المشاكل والتخوف مع اقتراب موعد الفرح، وخطيبتي ملتزمة، وأنا أريدها فماذا أفعل؟!

 

وأنا أراعي حالتها النفسية ومع أهل خطيبتي.. فماذا أفعل مع أهلي؟ علمًا بأنني لا أقدر على شراء جهازها أو حتى مساعدتها؟، وأيضًا أهلي لا يقبلون مساعدتها بحجة أن هناك أفضل من هذا النسب من وجهة نظرهم.. وأنا لا أقبل مساعداتٍ من جمعيات خيرية نهائيًّا، أرجو الرد فالموضوع صعب عليَّ جدًّا.

 

يجيب عنها: الدكتور أسامة يحيى الاستشاري الاجتماعي في (إخوان أون لاين):-

حمدًا لله الخالق المنعم، والصلاة والسلام على خيرِ الخلق كلهم.. وبعد

يكمن جذر مشكلتك يا بني في كون أهلك لا يرغبون هذه الفتاة زوجةً لك، وأن عدم قبول أهلك تيسير الأمر على أهلها في تجهيز ابنتهم ليست إلا ستارًا لرفض هذه الأسرة ومحاولة منهم لعرقلةِ زواجك منها، ولذا عليك التوجه أولاً إلى أسرتك وبذل الجهد معهم لمحاولةِ إقناعهم بخطيبتك بالحسنى، وبكل ما في الابن من روعةِ البر وجمالِ الاحترام.. أخبرهم بما في قلبكَ نحوها، وأنك فَرِحٌ بها، وأنه يصعب عليك أن تحصل على مثلها.

 

وذكرهم بوصيةِ النبي صلى الله عليه وسلم بالظفر بذات الدين، وأنك راضٍ عن مستوى تجهيز بيت الزوجية ولو كان منخفضًا، واصبر على إقناعهم، ولا بأسَ من أن تُدخل أطرافًا تلقى لدى أهلك كل الاحترام والتوقير، ولا تزال بهم حتى يقبلوا بها، فقبولهم بها خطوة لا يمكن تجاوزها وتخطيها إلى غيرها.

 

فالزواج يا بني ليس اندماجًا بين شابٍ وفتاة وفقط، ولكنه بين أسرتين وسينتج عنه- إن شاء الله- ذرية لها جدود وجدات وأعمام وعمات وأخوال وخالات.

 

إن من أهم أسباب اختلاف رؤى الآباء والأولاد حول زوجات أبنائهم وأزواج بناتهم أن لكلٍّ من الآباء والأولاد تصورًا مسبقًا عن شركاء الحياة.. تصورًا نشأ عندما كانت الفتاة في أولى سنوات دراستها الابتدائية، وعندما كان الفتى في سنوات دراسته الثانوية.. تصورًا لا تتم مناقشته بين الآباء وأولادهم فيظل حبيس الصدور، فإن تمَّ تناقله فبين الأقران والقرينات؛ حيث لا خبرةَ حياتية، وقد توجد شكوك في النية.. فيصبح للآباء تصور يتخيلونه وللأولاد تصور آخر يعيشونه.. بل ربما يختلف تصور الأب مع تصور الأم.. فأي اتفاق من الممكن أن يتم في ظل تضاربات هذا الكم من التصورات.. ويشب الصراع عندما يريد الابن الشاب خطبة فتاةٍ بعينها، وعندما يتقدم أحدهم ليخطب الابنة الفتاة، ويجتهد الجميع في فرض تصوره تارة بالقهر وتارة بالابتزاز العاطفي وتارة بالخداع وتارة بالهجر... إلخ.

 

فيجدر بالآباء والأمهات وقبل أن يبدأ أبناؤهم في اختيار شركاء الحياة أو يأتي للبنات مَن يطرق عليهن الأبواب ليخطبهن- بفترةٍ مناسبة- أن يناقشوهم ويناقشوهن في تصوراتهم وتصوراتهن عن أزواجهم وزوجاتهن بالمستقبل.. يناقشوهم ويناقشوهن وهم في سن مبكرة بالدراسة الثانوية على الأكثر بالنسبة للبنات وبالدراسة الجامعية على الأكثر بالنسبة للبنين، وستتمخض هذه المناقشات وتبادل الرؤى إلى صهر أفكار الأسرة في بوتقةٍ واحدةٍ لتصنع سبيكة واحدة متجانسة القوام متماسكة البنيان متوافقة على الخطوط العريضة والكثير من التفاصيل، وبذلك لا يحدث تعارض كبير أو صغير في الرأي بين جميع أفراد الأسرة حينما يتوجه الابن ليخطب أو يأتي للبنت مَن يخطبها.

 

يا بني.. في حال رضا أهلك بإتمام زواجك منها لماذا لا تقبل مساعداتٍ من جمعيات خيرية شريطةَ أن تُعيد لهذه الجمعيات ما أخذته من مالٍ بل وتفيض عليهم بأكثر مما أخذت عندما يتبدل حالك وتصبح ميسورًا؟.. خاصةً أن والدها متوفى، وأن عائلها هو الأخ الأكبر، وأن هناك عنتًا في تجهيز الفتاة.

 

إن العروس التي تدخل وسط أسرةٍ لا تريدها ستسلك مسلكًا من التالي:

إما أن تحاول استئصال زوجها من أهله والاستئثار به.. فذلك إيذانًا بنشوب المعارك وشنِّ الحروب وسفك دماء الاحترام والود، وإما أن تحاول كسب رضاهم وهي مقهورة.. فقد تصبر على ذلك قليلاً ثم بعد فترة طويلة أو قصيرة يحدث الانفجار وتطاير الشظايا وسقوط الضحايا.

 

وإما أن تعطي ظهرها لهم جميعًا ولا تودهم ولا تتزاور معهم.. وفي ذلك أذى كبير لزوجها وأبنائها رغم أنه يبدو راحةً لها.

 

وقد تتصرف معهم كابنة دخيلة ضيفة خفيفة حتى يلينوا معها ويبدءوا في معاملتها كابنة، وكأنها من لحمهم ودمهم ولو بعد حين.. ومَن ذا الذي يصبر حتى هذا الحين؟!!.

 

إن الخيارات الثلاث الأولى هي الأكثر شيوعًا، وهي خيارات مدمرة، فيما بعد للزوجة والزوج وأولادهما، أما الخيار الأخير فيحتاج إلى عروسٍ من طرازٍ خاص تستطيع أن تستوعب وتتحمل وتصبر.

 

يا بني.. إن من مصلحة جميع الأطراف واستقرار جميع الأطراف أن يرضى بالزواج جميع الأطراف.. فإن لم يرضَ أهلك- بعد بذل كل محاولات الإقناع والمناقشة- فمن الأفضل لك ولها ألا يتم زواجك منها، فلا بركةَ في زواجٍ لا يباركه الآباء والأمهات طالما لم يصدر منهم عنت ولا جور في ظل اجتهاداتهم المكللة بكل ما في النوايا من حسن وإخلاص.

أرشدك الله للصواب، وأثلج صدرك بالحلال.