كتب عدد من المحللين والكتاب مادحًا كثرة الإقبال على سحب أوراق الترشح لرئاسة الجمهورية، واعتبروا كثرة العدد (الذي وصل حتى كتابة هذه السطور إلى حوالي 700 شخص) ظاهرة صحية تستحق التقدير والاحترام، وهذه وجهة نظر أحترمها وأقدرها، ولكني أرى أن مَن كتب مادحًا هذه الظاهرة نظر إليها من زاوية واحدة فقط، وربما كان يضع في اعتباره ما كان يحدث في الماضي، ففي عهد النظام السابق كانت انتخابات الرئاسة تُجري بالاستفتاء على منصب الرئيس، وفي 2005م جعلها مبارك بالانتخابات، وكانت تجربة محكمة جدًّا بحيث لا يستطيع أحد أن ينجح سوى مبارك، وكان القصد منها إظهار أن مصر تشهد تحولاً ديمقراطيًّا في أعلى مؤسساتها، ولا يمكن أن يُمحى من ذاكرتي حوار أجري مع أحد المرشحين يومها لمنصب الرئاسة ضد مبارك حين سُئل سؤالاً له مغزاه (وليس عشوائيًّا) مِن مقدم أحد البرامج: من ستنتخبه رئيسًا للجمهورية؟!!!! فرد الرجل سريعًا دون تفكير: الرئيس مبارك طبعًا، فسأله المذيع الخبيث: ولماذا رشَّحت نفسك إذا كنت ستنتخب الرئيس مبارك؟! فكان رده: من أجل إثراء الديمقراطية في بلادنا!.

 

وجاء اليوم الذي أصبح باستطاعة أي مصري أن يرشح نفسه لرئاسة الجمهورية، وهذه حقيقة واضحة وضوح الشمس ولا ينكرها إلا جاحد.. ولا غضاضة عندي أن يتقدم للترشيح لرئاسة الجمهورية ألف أو ألفان أو ثلاثة.. ولكن أن يصبح المشهد مدعاةً للسخرية والاستهزاء بالمنصب فهذا لا يليق.

 

منصب رئيس الجمهورية هو عنوان كرامة مصر.. لقد تحول المشهد إلى نوع من الإنفلونزا بمعنى أن الترشح للمنصب صار كالعدوى يخرج علينا كل يوم أشخاص يسحبون أوراق ترشيحهم، وربما بعضهم لا يشغلهم سوى كاميرات المصورين، وتردد اسمه على الألسنة مرشحًا للرئاسة.. وأظن لو طالت فترة سحب أوراق الترشيح لرأينا عجبًا، ولدخلنا موسوعة جينيس العالمية للأرقام القياسية.

 

إذن ظاهر الأمر قد يبدو إيجابيًّا ولكن باطنه ليس كذلك.. قد يقول قائل سيحدث فرز للمرشحين في المراحل الأولى وبعضهم لن يستطيع الحصول على توقيعات ثلاثين ألفًا من أفراد الشعب لتأييد ترشيحه.. أقول كل ما أخشاه أن يتحول المشهد إلى مسرحية هزلية، ونخلط الجد بالهزل، ويكون عندنا في النهاية عدد كبير تضمهم ورقة الانتخاب، فماذا سيفعل عندها الناخب؟.. هذه الحالة ستُحدث ارتباكًا عند عدد كبير من الناخبين البسطاء.. مع وجود عبء شديد في العملية الانتخابية.. لأنه سيقدم للناخب دفترًا يحوي عددًا من الصفحات تحوي أسماء المرشحين.

 

قد يقول قائل: لو أننا صعبنا من إجراءات الترشح لما وصلنا إلى هذه الحالة.. هذا ما لا أريده.. ولكن كنت أتمنى أن يقوم الإعلام المسموع والمشاهد والمقروء بحملة توعية مخلصة لجماهير الأمة يبين فيها حقيقة منصب الرئاسة وتبعاته ومكانته.. والصفات التي يجب أن تتوافر فيمن يقدم نفسه لهذا المنصب.

 

وإذا جاء الحديث عن الإعلام أشعر دائمًا بغصة في حلقي.. فأنا لا أفهم حتى هذه اللحظة لمصلحة مَن يعمل الإعلام في بلادنا.. وهل لهذا الإعلام أجندة خاصة غير مصلحة الوطن ورفع شأنه؟!!

 

أنا رجل ريفي نشأت في الريف، وعندما كانت تُجرى انتخابات عمدة القرية كان الناس البسطاء يعجبون من ترشح أناس لا يصلحون لهذا المنصب.. فقد كان المنصب في مستقر نفوسهم له هيبة واحترام وتقدير.. فما بالنا برئيس مصر.. مصر العظيمة الرائدة دار العرب وملتقاهم وبيتهم الكبير.. كم أود أن يصان هذا المنصب صيانة تقدير وإعزاز لبلادنا فلا يصل إليه إلا كريم.

 

وعلى الجهات المعنية ضرورة المسارعة في التوصل لمصل فعال يحد من تفشي هذه الظاهرة وانتشارها، ويمنع انتقال عدوى الترشح لمنصب رئيس الجمهورية.. قبل أن يترشح الشعب كله للمنصب وكل واحد ينتخب نفسه.