فقير لفيض رحمة الله- المنوفية:

الإخوة الكرام..

سامحوني في رسالتي، فلا أعلم ماذا أفعل؟ تقدمت لخطبة فتاة من بيت أراهٍ أرقى بيوتنا أخلاقًا، على معرفتي بأبيها وأخيها، ولا أعرف عن الفتاة شيئًا، إلا أنني عندما ذهبتُ إليهم، عرفت أنها متمسكة بدينها ودعوتها، وتعمل بين المجتمع بحيوية ونشاط؛ لتوعية المجتمع سياسيًّا واجتماعيًّا ودينيًّا، وهذا ما جعلني أتمسك بها، وتمت الخطبة ولله الحمد.

 

وحدث يوم الشبكة أنني لم أجلس معها كما يفعل الكثير؛ لأنها كانت بين الأخوات، وحيائي يمنعني، واعتذرت لها عن ذلك وتفهمت الأمر، هذا الموقف الأول، أما الموقف الثاني فهو أني كلمتها عن حجابها وزيها، ففيه من وجهة نظري القاصرة حرج شرعي، لكنها رفضت أن أكلمها في مثل هذا؛ حيث ما زالت في بيت أبيها.

 

ومرت سنة وأربعة أشهر خلال هذه الفترة هاتفتها كثيرًا لأطمئن عليها وعلى أسرتها، فكانت بالكاد تجيبني وتحدثني في أضيق الحدود، ولا تكلم أمي ولا أي فرد من أخواتي البنات، ظننته حياءً منها، إلا أنه بدا لي عدم رضاها عن هذا الزواج فيما بعد!!.

 

حيث قلت لها مرارًا وتكرارًا هل هناك ما يُعكِّر صفو خطوبتنا؟ ولكنها كانت تنفي في كل مرة، وكذلك أبوها الكريم وأمها وإخوتها، فكنت أسألهم هل هناك ما يُضايقهم في خطوبتنا؟ فكانت تنفي أيضًا، سألتها ذلك طوال فترة الخطوبة!.

 

كما أنها لم تتصل بي مرة واحدة طوال هذه الفترة إلا مرة واحدة وأخيرة لتنهي فيه علاقتنا، هكذا ودون سابق معرفة لي ولا لأسرتها الكريمة، وكان ذلك بمباركةٍ من الأخت المسئولة عنها سامحها الله، وكان هناك محاولات بائسة مني ومن أهلها وإخوانهم لتدارك الأمر، ولكن لا شيء يجدي، ولم تبد لي ولا لأسرتها سببًا واحدًا لذلك، غير أنها غير مستقرة نفسيًّا!!.

 

هل هذا يرضي الله؟ بالله عليكم سامحوني ودلوني ماذا أفعل؟ ولكم من الله جزيل الشكر.

 

يجيب عنها: الدكتور أسامة يحيى الاستشاري الاجتماعي في (إخوان أون لاين)

حمدًا لله على نعمه التي لا تُحصى، وصلاةً وسلامًا على نبينا المصطفى.. وبعد:

تقدمتَ لخطبة فتاة لأنك تعرف أباها وأخاها، وأنها خرجت من أرقى البيوت أخلاقًا.. وأصبح رصيدها عندك بعدما ذهبت إليها تخطبها أنها متمسكة بدينها ودعوتها، وتعمل بحيوية ونشاط لتوعية المجتمع سياسيًّا واجتماعيًّا ودينيًّا.. هذا ما جذبك إليها.. ولكنك لم تفعل يا بني ما يجعلها تنجذب إليك.. لم تجلس معها يوم الشبكة.. وظللت عامًا وأربعة أشهر تحادثها تليفونيًّا فقط، وعلى ما يبدو أنك لم تقم بزيارتها في بيتها طوال هذه الفترة.

 

وأرسلت لك إشارات كثيرة توضح أنها غير مستريحة معك، فهي بالكاد تجيبك على محادثاتك التليفونية، وتتحدث معك في أضيق الحدود، ولا تكلم أمك ولا أحدًا من أخواتك البنات، ولم تتصل هي بك طوال العام والأربعة أشهر إلا مرة واحد لتعلن وفاة هذه الخطبة وتأبين هذا الارتباط.

 

يا بني.. إن تكرار سؤالك طوال فترة الخطوبة المديد: هل هناك ما يعكر صفو خطوبتنا؟ وهل هناك ما يضايقك في خطوبتنا؟ دليل على أنك شعرت أن هناك شيئًا ما خطأ في علاقتك بها.. ولكنك لا تعرفه.. ومما زاد الأمر إبهامًا بالنسبة لك هو أنها كانت تنفي في كل مرة هي وأهلها وجود شيء ما يعكر من صفو الخطوبة أو يضايقها.

 

لقد شعرت أن هناك شيئًا ما خطأ ولكنك لم تتخذ أية خطوات جادة للتعرف عليه سوى سؤال خطيبتك وأهلها، والحقيقة أنه كان ينبغي عليك معرفة بعض الأمور بشأن النساء وما يفضلنه وما يبغضنه، وما يجب على الشاب عمله تجاه خطيبته، وأن تقرأ ما بين السطور، فأنت على ما يبدو قليل الحيلة ولا تمتلك خبرات أو معارف في هذا المجال ذات بال.. لا بأس يا بني إن كنت لا تعلم، ولكن البأس أن تظل لا تعلم.

 

لم تجلس معها يوم الشبكة معناه أنك لا تهتم بها ولم تشعرها بقيمتها عندك، ولم ترفع من قدرها وسط أهلها وصديقاتها.. إن أروع ما يفعله الخاطب في ليلة شبكته هو اهتمامه بخطيبته واحتفاؤه بها وهي وسط الناس كلهم وكأنه وهي وحدهما، وكأنه ليس هناك من أحد حولهما.

 

لقد اعتذرتَ لها عن عدم جلوسك معها ليلة شبكتها وتفهمت هي الأمر، وهذا شيء طيب.. ولكنها لا شك كانت افتتاحية سيئة للارتباط بهذه الفتاة.. افتتاحية نكتت في صدرها نكتة سوداء.

 

طوال فترة الخطوبة لم تزرها في بيتها واكتفيت بالمحادثات التليفونية القصيرة الضيقة ذات الإجابات المقتضبة، الأمر الذي جعل من فترة الخطوبة فترة مملة تثير السأم والضيق، بينما كان من المفترض أنها من أبهج فترات حياة الإنسان، فالفتاة تحب أن تجالس خطيبها وتحادثه- دون خلوة- لتطمئن إليه وتفهمه وتألفه، وإن لم يفعل فلن يفلح في غزو قلبها ولا الولوج إلى نفسها.. كما حدث معك.

 

إن من حسن تصرف الخاطب هو إشعار خطيبته بمكانتها عنده واهتمامه بها وزياراته لها وتحدثه معها في ظل مناخ شرعي لا خلوة فيه.. كل ذلك بغرض التعارف والتآلف والتفاهم.. وهذا ما لم يحدث منك.

 

يا بني.. انتهاء خطبتك بهذه الطريقة لم يكن فجأة.. لقد بدأ من يوم شبكتك واستمر في الانزلاق إلى نهايته بعدم زيارتك لها ومحادثاتك التليفونية العقيمة، وعدم فهمك لرسائلها الرافضة لك من عدم تحدثها معك مطلقًا أو مع أمك وأخواتك البنات.. وإن فشل المساعي اليائسة التي بذلتها لتعيد رأب صدوع هذه الخطوبة لتدل على عمق رغبتها في عدم إكمال رحلة الحياة معك.

 

وأقول لك بلا حرج إنها بالفعل من أرقى البيوت أخلاقًا؛ لأنها سامحتك على صنيعك يوم تقديم الشبكة وصبرت على عدم زيارتك لها طوال فترة الخطوبة الطويلة، وأرسلت لك إشارات لم تفهمها.. ثم.. بعد عام وأربعة أشهر من السماحة والصبر أنهت ما بينكما دون أن تذكر عيبًا واحدًا بك، وإنما جعلت عدم استقرارها النفسي هو السبب.

 

يا بني لا تلم أختها المسئولة؛ لأنها ساعدتها في اتخاذ هذا القرار.. فالفتاة تريد مَن يسمعها ويناقشها ويساعدها في اتخاذ القرارات.. فذاك من طبيعة النساء.

 

يا بني.. لا أريد أن أفت في عضدك ولا أضعف من عزمك.. فأنت.. كابني تمامًا.. أريدك أن تعلم أمورًا كثيرة بشأن النساء قبل أن تتقدم لخطبة إحداهن.

 

يا بني.. لم يكن لك فيها رزق أكثر من ذلك، ولم يكن لها فيك رزق أكثر من ذاك.. فافهم الدرس جيدًا، وتعلم من هذا الموقف حتى لا تكرره، فالرجل ليس هو الذي لا يُخطئ ولكن الرجل هو الذي يتعلم من خطئه، فالرجل ليس هو الذي لا يقع أبدًا وإنما هو الذي بعد وقوعه ينهض من جديد.. فالضربة التي لا تقصم الظهر تقويه.

 

ألهمك الله الرشد، ووهبك الزوجة الصالحة التي تقر بها عينك ويستريح بها فؤادك.