عشنا في عهد المخلوع وقد فقدنا الهوية والحرية والديمقراطية والأمن والسلام، وبعد قيام الثورة من حقنا أن نسأل وكلنا أمل: متى يعود الأمن المفقود؟!
تمنينا من الله تعالى أن نكون أحرارًا، بعد أن تخلصنا من المخلوع صاحب الأرقام القياسية في الظلم والفجور والاستهانة بالشعب، رأينا نحن شعب مصر بأكمله الهول والكثير من أعمال التي لا ترضي الله جل وعلا، فتمنينا أن نغير هذا الظلم واستبدال الكرامة والعزة به.
ولكننا استنتجنا بعض الأمور التي ساعدت على انتشار هذا الظلم، ومنها أن العاملين بالأمن داخل البلاد لا يخدمون الأمن، ولكنهم كانوا يخدمون النظام البائد الظالم، فكان الظلم في كتابهم صفحات مطوية يحترق كل من أراد أن يكشفها أو يقرأها، وكانت الكارثة أن هذا النظام قام بتجنيد كل أفراد الأمن فكانوا خدمًا له وكان الولاء والطاعة العمياء له هي السبيل الوحيد لهم لكي يستمروا معه.
وبعد الحسرة التي أصابت النظام البائد كاملاً لم يجد أفراد الأمن من مفر إلا أن يكونوا هم أبناء نفس النظام، ولكن الحكم هذه المرة من داخل السجون، فكانت الأوامر لهم بأن يزعزعوا الأمن بكل الطرق وفي كل الأحوال.
الجديد أن هؤلاء الأفراد الذين يدَّعون أنهم خدم الشعب والمحافظون على الأمن قد صنعوا صنيعًا سيئًا للشعب، ولكنه صنيع مستطاب عندهم فحسب، وللأسف انقلب عليهم وجاءت النتائج كما لا يرجون، وإليكم القصة:
ذات يوم وأنا أستقرئ الأحداث من بعض المواطنين ولكن هذه المرة من نوع جديد، فتحدث وكله قلب سليم وكأن الدنيا لهم بالكامل، فكان هذا الشاب من طراز جديد هو الإرهابي بعينه ولكنه ينتمي إلى وزارة الداخلية.. كل عمله هو الربط بين بعض البلطجية وضباط البوليس والشرطة!!.
عجبًا لهذه المهنة من أهمية لها وهي في خدمة أقسام الشرطة والربط بين البلطجية والضباط، فعينوا منهم من يقومون على وظيفة جديدة، وهي (الكارتة)، يدير شئون هذه المهنة التي لا حيلة لها إلا البلطجة على السائقين والمواطنين، وهي عمومًا تسمى (الإتاوة) يفرضها هؤلاء على الناس دون وجه حق، فتجد أصنافًا من الناس لا صلة لهم بالحياة تمامًا، وإنما هم غائبون عن الدنيا بتناول المخدرات والمعطيات التي تذهب العقل.
كنا نرى في هؤلاء جبروتًا خاصًّا من البلطجة، وذات مرة اعترض سائق على دفع هذه الإتاوة فنال جزاءه الكامل من ضرب وإهانة وسرقة، فقام ركاب السيارة بالاتصال بالشرطة ليستنجدوا بها من جبروت هؤلاء البلطجية، ولكن للأسف الشديد بعد وصول ضابط الشرطة ومعه قوة من أفراد الأمن فرحنا بهذا جدًّا، ولكن كانت المفاجأة!! وهي أن ذهب هذا الضابط للبلطجي وهو جالس على القهوة وتحدث إليه ثم أتى إلينا وهو يسخر منا ويستهزئ بنا.
اكتشفنا أن هذا البلطجي من خدم وصنع هؤلاء الضباط وللأسف هم في كل مكان بالدولة وكأنها وسيلة في كل أقسام الشرطة، ولكني سألت الضابط أين حقنا في شكوانا؟!
- قال لي بسخرية: أي حق يا بن....؟!
- فقلت له: شكوانا لكم من اعتداء هذا الرجل على السائق وفرضهم إتاوة علينا وعلى السائقين؟
- قال في ثبات وكأنه يتوعدني: يا مواطن ليس لك الحق في هذه الشكوى.
- فقلت في نفسي: حسبنا الله ونعم الوكيل، وسينتصر الحق قريبًا إن شاء الله.
********
وبعد ثورة يناير العظيمة ونتائجها أيًّا كانت وهي في كل الأحوال أفضل من النظام البائد تمامًا وفي كل شيء.
وبالاتفاق بين الشرطة والبلطجية- وهذه المرة البلطجية هم من يفرضون على الضباط ويملون عليهم ما يقولون- وأنا رأيت هذا بعيني، وأمام بيتي وإليكم القصة:
عدت من عملي بعد انتهاء اليوم وهو كثير التعب أخلد للنوم قليلاً وبعدها أستكمل مشوار حياتي في كتابة ومتابعة الأخبار على المستوى المحلي والعالمي وقبل النوم سمعت صوتا مزعجًا شديدًا بالشارع تحت بيتي، فنزلت أسأل فوجدت أحد الأفراد يقوم ببناء جراج للسيارات خلف منزلي، فقلت له: يا رجل هذا الصنيع لا يجوز؛ حيث أن هذا شارع تمتلكه الحكومة وغير مقبول ما تصنع، فتحدث بطريقة لائقة فيها استعطاف لأجل أن أرضى عما يصنع، ولكني نصحته بألا يقوم ببناء هذا الجراج حتى لا يقع في المشكلات ولكنه لم يهتم بما أقول، اتصلت بالشرطة أنا والجيران بالبيت، وبعد أربع ساعات حضر السيد النقيب ومعه أفراد الأمن ولكني رأيت نفس الموقف نزل الشرطي إلى البلطجي وتحدث معه وبعدها أتى إلينا وهو في حالة هيستيرية فصرخ: من الشاكي؟، قلت له: أنا وبعض الجيران فقام بالقبض عليّ وكانت أسئلتي تتركز كلها في سؤال واحد: لماذا تقبض علي وأنا الشاكي وتترك البلطجية أحرارًا؟ فبلغ من أرسلوك أن الرسالة وصلت، فلن نشتكي لكم مرة أخرى؟!
بعدها تجمع عدد غير قليل من بلطجيات النساء، ونلنا ما نلنا من أقذع الشتائم والإهانة، وعلمونا ألا نشتكي مرةً أخرى وسنخضع لما يصنعون، في مجتمع بلا أمن، ولا مكان إلا للسلاح الأبيض والخرطوش والمدفع الرشاش.
وآخر ما سمعناه من نصائح التهديد أن نخاف على أبنائنا وأن ننام ملء جفوننا؛ أليس من حقي أن أسأل المسئولين في الدولة: متى.. متى.. متى يعود الأمن المفقود؟!
------------------