تذكرت ونحن قادمون لاستلام مقر مكتب الإرشاد بالتوفيقية بعد ثورة 25 يناير، وقد قام أمن الدولة بغلق المقر بعد محاكمة الإخوان في عام 1995م الظالمة، ما كتبه الأستاذ محمد الراشد عن رجل صالح هو الأستاذ صالح عشماوي رحمه الله.

 

كان الأستاذ- رحمه الله ورفع درجته- من قُدَامى الدعاة، ورجال الرعيل الأول، ولبث مع الإمام البنا دهرًا كأحسن ما يكون الداعية عملاً، وأصبح عضو المكتب.

 

فلما استشهد الإمام والمحنة الجاثمة اختلطت أوراق واشتبهت أمور، وحركت وساوس فافتتن نفر وجعل الأستاذ رأسًا عليهم، ثم مرت السنوات وطالت المحنة فندم على ما كان منه، وطلب أبلغ صور التوبة النصوحة، وقد زُرت دار مجلة الدعوة يومًا فوجدت شيخًا وقورًا يجلس بتواضع على كرسي خيزران قديم خارج الدار كأنه بواب، ولكنه مهيب وله طلعة نورانية فسلمت عليه واستأذنته فأذن فدخلت، فقال لي أخ: هل عرفت ذلك الرجل المحترم الذي بالخارج؟ قلت: لا، لكنه استرعى اهتمامي.

 

قال ذلك صالح عشماوي يرى أن نفسه استروحت يوم جعله المشاكسون رأسًا ونادوا به أميرًا، وعزم أن يرجع جنديًّا في آخر الصف، ويصر على أن ذلك من تمام توبته، فاختار أن يكون بوابًا لدار الإخوان، ودهشت لهذه الروح الصافية والقلب الكبير، ثم قال لنا الأستاذ عمر التلمساني رحمه الله دَعَوْنا له ودعوناه أن يكون أخًا لنا يشارك كالآخرين ويتوب الله على من تاب، ولكنه أبى ورفض، وأصررنا وبلغنا غاية الجهد في إقناعه لكنه أصرَّ إصرارًا على أن يعاقب نفسه بالتأخير.

 

ثم خطبنا الأستاذ عمر- رحمه الله- بعد سنوات فقال: لقد تاب الأستاذ صالح عشماوي توبة أحسبها لو وُزِّعَت على دعاة الإسلام في القاهرة جميعًا لوسعتهم.

 

تذكرتُ هذا ونحن مقبلون على فترة حاسمة في التاريخ، والدنيا تُفتح علينا، ومجاهدة النفس بالتزام الشورى والسمع والطاعة، والتجرد لهذه الدعوة.