أتمنى أن يستشعر المصريون الفرح كلما جاء الحديث عن دستور مصر الجديد! فلقد عانت مصر عشرات السنين من دساتير بعضها كان جيدًا وبعضهم قنن الاستبداد ومنح الرئيس صلاحيات إلهية أفسدت العباد والبلاد ولم يستطع أحد الاستفادة بما تحويه من نصوص تحمي الحريات والحقوق!

 

وقد كان دستور 1971 نموذجًا لهذا العبث فلم تتمكن مواد الحقوق والحريات من حماية الإنسان المصري والحفاظ على كرامته بل عانى في السنين التي تلت إقراره من الظلم والعسف والاستبداد والإهمال والعذاب والفقر والمرض بما مهد لثورة عظيمة مثل ثورة 25 يناير أن تتفجر لتعيد للمصري حقوقه المسلوبة!

 

واليوم عندما تبدأ إجراءات تشكيل الجمعية التأسيسية بهذا الشكل الذي لم تتعوده مصر ولم يحدث من قبل فقد كانت هذه الجمعيات من النواب فقط أو من النخب واليوم يقترح الجميع أفرادًا وهيئات وتدرس الاقتراحات وتعرض على نواب المجلسين ليختاروا ما يناسب هذه المرحلة بطريقة ديمقراطية شفافة أمام كل الشعب المصري! فأي فرح يغيب اليوم ولماذا يغيب؟ هل لأن البعض لا يحلو له أن يشعر الشعب بالسعادة لنجاح ثورته؟ وبالفرح للبدء في وضع دستور لمصر يجعل السيادة للشعب لينعم الجميع بعدل الإسلام ويتمتع بحقوقه بحماية دستورية؟، لكن هناك من يريد أن ينغص علينا معيشتنا ويكدر صفونا ويحرمنا فرحتنا بإلقاء الاتهامات والتشكيك في النوايا وإثارة الزوابع هنا وهناك؛ حيث يدعي البعض سرقة الأغلبية للدستور ووضعه على مزاجه والبعض الآخر يتهم النواب بعدم الشرعية لنزع حقهم في المشاركة لمهمة كانت ضمن أسباب انتخابهم بأغلبية كبيرة والحقيقة أن أخطر مواد الدستور التي يمكن أن تصبح مبررًا لمثل هذه الاتهامات رغم عدم صحتها هي المادة الثانية التي تؤكد هوية مصر التي لا خلاف عليها وقد أقرها الجميع من مسيحيي مصر والليبراليين واليساريين وحتى العلمانيين فلما الخلاف إذن؟!

 

إن الدستور يعني وضع قواعد عامة تنظم حركة الناس في إطار الحفاظ على كرامتهم وحقوقهم وحرياتهم فمن يختلف على ذلك؟ وأي نظام اقتصادي يوضع لا يحقق تمتع المصريين بثروات بلادهم ويمنحهم حقهم في العمل ويوفر لهم الحد الأدنى من الحياة الكريمة لن يقبله أحد مهما كان اتجاهه الاقتصادي!، وإذا كان هؤلاء المنتخبون للجمعية التأسيسية لن ينفردوا بوضع الدستور بل هناك لجان استماع لكل من له خبرة أو رؤية في أي باب أو أي مادة دستورية! فلما إذن هذا الضجيج وذاك الخلاف؟ من يخشى من وضع دستور لمصر يحمي كرامتها ويحفظ إرادتها وقدرتها على الاستقلال وعدم التبعية؟.

 

مصر الحرة بدأت في خطوة جديدة لتأصيل موقفها وموقعها الجديد وسط العالم وهي وضع الدستور الدائم لمصر فهل لا يستحق ذلك فرحة الشعب المصري كله؟ وهل يمنع ذلك المتربصين بمصر من تكرار محاولاتهم لإفساد هذه الفرحة؟ ما أعرفه يقينًا أن مصر المحفوظة بحفظ الله سيحفظها الله بقدر ما نخلص لله فيها ونبذل من جهد لرفعتها والله على ما أقول شهيد.

-----------------

* أستاذ جامعي ونائب بالبرلمان