كما أسلفنا في مقال سابق عن أهمية المحاضن التربوية في إعداد الجيل المنشود للنصر والتمكين وتكوين الأسرة المسلمة وانتهاءً بأستاذية العالم بإذن الله ونحن في هذا لم نكن بدعًا في الفكر، وإنما تلك هي المدرسة النبوية الأولى والتي تخرَّج فيها آلاف الصحابة الذين فتحوا الدنيا على مصراعيها في سبيل نشر كلمة الله ونشر العدل والمساواة بين الناس بكل طوائفهم وانتماءاتهم.

 

وتلك هي المدرسة التي استمر على نهجها الإمام البنا رحمه الله؛ فنتج عنها ذلك الرعيل الأول؛ الذي علَّم الدنيا فنون الصبر والاحتمال والجلد، وإلى جانب كل هذا عبقرية التنظيم والاستمرار في ظل ظروف أمنية قاتلة، بعدما حوَّل الظالمون البلاد كلها إلى سجن كبير مفتوح.

 

وتتوالى الأحداث كما نرى حولنا من تطور على المستوى السياسي والاجتماعي والثقافي؛ فالتطورات السياسية تتمثل في التغيير الناتج عن فترة الربيع العربي والانتفاضات غير المسبوقة والحريات المنتزعة والوعي السياسي، والتطورات الاجتماعية والثقافية تتمثل في تغيير التركيبة الاجتماعية، مع الظروف الجديدة الناشئة عن التغيير السياسي، كذلك سرعة الاتصالات وتنوعها أوجدت شريحة جديدة من الشباب القادر على التغيير بكل أشكاله الإيجابية والسلبية عن طريق النت بمواقع الاتصال الاجتماعي "الفيس بوك" و"تويتر" وغيرهما، هذا غير الهواتف الجوالة بأنواعها، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، ولن تجدي أي وسيلة للتغيير إلى الإيجابية والبناء والوصول إلى عالمية دعوة الإسلام إلا بالتربية الصحيحة والمتكاملة والمتوازنة والتي تتناسب مع ثقافة الجيل الجديد والظروف الاجتماعية المتغيرة.

 

فيجب أن تتطور الوسائل تبعًا للمستجدات، ما دمنا نريد أن نستكمل المسيرة دون تطوير وتغيير يتناسب مع روح العصر؛ حتى نستطيع أن نصل إلى تلك العقول المتجددة كل يوم، ونتكلم معها بما تفهمه، وهكذا كان يفعل معلم البشرية رسول الله صلى الله عليه وسلم حين كان يتحدث مع أهل البادية بلهجة ومع أهل المدينة بأخرى، ومع الرجل بطريقة ومع المرأة بطريقة، حتى إنه عليه الصلاة والسلام كان يعرف كيف يتعامل مع الطفل حتى يجعل منه رجلاً، ولنا في قصة إسلام علي بن أبي طالب مثل وعبرة، حين عرض عليه النبي عليه الصلاة والسلام الإسلام، وقام بشرحه له وانتظر منه الردّ كأي رجل يدعوه دون أن ينهره أو يحاول إجباره على أن يقتنع بفكرته، وكان علي في ذلك الوقت في بيت النبي ينفق عليه ويربِّيه، ومع هذا لم يشعره بأنه صاحب فضل عليه، وكان رد عليه الصبي عليه: دعني أفكر، فتركه النبي المربي لليوم التالي ثم سأله: ما تقول يا علي فيما عرضته عليك بالأمس، فيكون رد علي أكثر فهمًا ونضجًا من رده في اليوم الأول فيقول لرسول الله: أعد ما قلته عليَّ مرةً أخرى، وبمنتهى الحلم يتعامل رسول الله مع الموقف، فهو لا يريد أن يزيد المسلمين عددًا، وإنما يريد أن يقدم للإسلام رجلاً فيعيد عليه ويسرد كلامه كله، فيفكر علي قليلاً ثم يقول: أشهد ألا إله إلا الله وأنك رسول الله.

 

وتلك هي مهارة المربي الذي يعرف كيف يتعامل مع المواقف المختلفة؛ ففي قصة إسلام عمر بن الخطاب نجد من الحبيب المصطفى النقيض تمامًا؛ فبعد أن وصل عمر إلى دار الأرقم ودخل على المسلمين فارتعبوا خوفًا من عمر وبطشه فيتصدَّى له رسول الله الحليم الرقيق ويجذب عمر جذبةً شديدةً حتى يقع على الأرض من شدة الجذبة، ويقول له: أما آن لك أن تسلم يا عمر؟ وهذا الموقف يجب ألا يمر على المنوط بهم عملية التربية مرور الكرام؛ وذلك لأن الحبيب المصطفى قام به بدرسين معًا: الدرس الأول لعمر بن الخطاب الذي لا يحسن سوى لغة القوة فيشعره أن الحق أقوى منه مهما كانت قوته، والدرس الثاني للصحابة الخائفين من عمر بأنه لا قوة فوق الحق، وأن القوة الجوفاء غير الموجهة إلى ما يرضي الله عز وجل ونصرة دينه يقضي عليها الحق ولو بعد حين، والعملية التربوية حتى يتم تطويرها لا بد من معرفة مداخل الناس، خاصةً الشباب، وهم الأمل في إنقاذ هذه الأمة من الهلاك والضياع إذا أحسنَّا تربيتهم وتوجيههم، ولا بد من معرفة لغة الجيل والتحدث بها، وحتى نستطيع تطوير أنفسنا لا بد أن نعرف مكونات تلك العملية، أنها تتكون من ثلاثة عناصر مهمة:

 

- العنصر الأول: المنهج التربوي، وهو عبارة عن منهج مكتوب ومواقف تربوية عملية.

- العنصر الثاني: المتلقِّي وهو الإنسان الذي يتلقَّى مجموعة الإجراءات المعدة مسبقًا، وتتناسب مع شخصيته واتجاهاته.

- العنصر الثالث: المربي، وعليه تقوم المسئولية كاملةً في إنجاح العملية التربوية، وهذا يعتمد كثيرًا على مدى ثقافته وشخصيته وإخلاصه واستماتته في عمله.

 

ولقد سأل الإمام البنا كيف تنجح في دعوتك سريعًا مع الناس؟ فقال: كنت أدعوهم بالنهار وأدعو لهم بالليل؛ أي تكون الدعوة هي شغله الشاغل وهمه الأول، حتى إذا كان بالمنهج التربوي بعض التقصير استطاع المربي الناجح ببراعة أن يتجاوز تلك السلبيات ويجبرها ويحولها في صالح عملية التربية.

 

ولكي ننهض بذلك الهدف الكبير تستلزمنا وسائل متعددة للإعداد للنهوض بكل عنصر على حدة، وسوف نتحدث فيها تباعًا إن شاء الله حتى نصل إلى الهدف المنشود بإذن الله تعالى، سائلين المولى التوفيق، وأفتح باب الحوار مع القارئ العزيز كي نتعاون معًا على ما يرضي ربنا.. إنه وليُّ ذلك وهو عليه قدير.

 

-----------

* azza_1429@yahoo.com