ثمة اختلاف كبير بين الوسطية الإسلامية المتمثلة في قوله تعالى (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) (البقرة: من الآية 143)، وبين تيار الوسط السياسي.
فالوسطية الإسلامية حالة من التوازن والاعتدال بين الأطراف المتضادة بين المادية والروحية، بين الدنيا والآخرة، بين العقل والنقل، بين المستقبل والماضي، بين الفرد والجماعة، بين الواقعية والمثالية، بين المتغيرات والثوابت؛ فهي توازن بديع وعجيب ودقيق بين ذلك كله، وهي أدقُّ وأكبر وأجلُّ وأخطر من أن تحدِّدها عقول البشر وقياساتهم وأدواتهم، بل هي تنبع من المنهج الإسلامي ذاته ومن داخله.
فنحن عندما نقول الوسطية الإسلامية، فنعني بها الوسطية داخل الحالة الإسلامية نفسها، والنابعة من الإسلام ذاته، فإذا كان هناك طرفان مغاليان في قضية معينة داخل الحالة الإسلامية نفسها يتأرجحان بين الإفراط والتفريط، بين التعسير والتيسير.. فإن الوسطية الإسلامية هي حالة بين هاتين الحالتين.
ولنأخذ مثالاً على ذلك: الصراع داخل الحالة الإسلامية بين العقل والنقل، فطرف يجعل العقل هو الحاكم على قبح الأشياء وحسنها والنقل يؤكد رؤية العقل وإلا يؤوِّل النقل ليتبع العقل أو يشكك في ثبوته.
وفي المقابل طرف يهمل العقل ويتبع ظاهر النصوص ويقدسها ويقدس تراث السلف دون تنقيح ولا رد.
وهناك حالة وسطية بين الحالتين عبَّر عنها السلف والخلف، كقول ابن تيمية- وهو بتصرف مني لتقريب المعنى- "النقل والعقل.. إما أن يكونا قطعيَّي الثبوت والدلالة فلا يتعارضان أبدًا، وإما أن يكون أحدهما قطعي الثبوت والدلالة والآخر ظني الثبوت أو الدلالة فيقدم القطعي على الظني، سواء كان العقلي أو النقلي، وإما أن يكونا ظنيي الثبوت أو الدلالة فهما مجال اجتهاد فيقدَّم الراجح منهما".
ومثل هذا قول الإمام حسن البنا في الأصول العشرين لركن الفهم عند الإخوان المسلمين: "وقد يتناول كل من النظر الشرعي والنظر العقلي ما لا يدخل في دائرة الآخر، ولكنهما لن يختلفا في القطعي، فلن تصطدم حقيقة علمية صحيحة بقاعدة شرعية ثابتة، ويؤوَّل الظني منهما ليتفق مع القطعي، فإن كانا ظنيين فالنظر الشرعي أولى بالاتباع حتى يثبت العقلي أو ينهار...".
ومن رموز الوسطية الإسلامية في هذا العصر الشيخ الجليل محمد الغزالي رحمة الله عليه؛ الذي دخل في صراع شديد مع المتشدِّدين والمتسيّبين ولم ينجُ من كليهما، وكذلك الإمام العلاَّمة القرضاوي والدكتور محمد عمارة ومحمد أحمد الراشد، وغيرهم العشرات الذين خطُّوا طريقًا وسطًا للأجيال الإسلامية، توازن لهم بين الواقع والمثالية، وبين التعسير والتسيب، بين المادية والروح.
أما الوسط السياسي فهو تيار يختلف من بلد إلى بلد؛ فالوسط في البلاد الاشتراكية غيره في البلاد الرأسمالية، والوسط في البلاد المحافظة المنغلقة غيره في البلاد المتحررة المنفتحة وهكذا.
والوسط في الحالة المصرية تيار ليس وسطًا للحالة الإسلامية، بل هو يريد أن يكون وسطًا للحالة السياسية المصرية، فهو بين العلمانية والإسلام، بين اليمين واليسار، بين الليبراليين والمحافظين وهكذا؛ فهو كمن ظل في منتصف السلم، لا رآه من هو فوق ولا رآه من هو تحت.. حالة من التميع السياسي والفكري، لا لون ولا رائحة ولا طعم.
شتان بين هذا الوسط السياسي الذي تحكمه عقول البعض وميولهم واستحسانهم وتوازناتهم، وبين الوسطية الإسلامية التي تحكمها وتحكم قيمها وقواعدها ومنطلقاتها وأهدافها ووسائلها المرجعية الإسلامية، والتي هي في قلب الحالة الإسلامية توازن بين الجحود والتطرف بين الإفراط والتفريط بين الجمود والتميع.