إيمان- المنوفية:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...
سيدي خُطبت لشاب منذ سنة يتميز بالفكر الواعي، بالإضافة إلى كونه متدينًا ويحمل همَّ الأمة كما كنت أريد، وما يجعلني مترددة في إتمام الزواج منه عدم اهتمامه بشكله أو ملابسه، وأنه فوضوي في كل شيء: في التفكير والملابس والأكل.
كما أني اكتشفت مع الوقت أنه يكذب عندما يجد نفسه في مأزق، ويتلفظ بألفاظ بذيئة في أوقات الغضب، لا أحب أن أسمعها من زوجي، وعندما قلت له إني لا أحب أن أسمع هذه الألفاظ منه، قال لي: حاضر ثم اكتشفت أنه يذكرها من خلفي، بالإضافة إلى أنه ضعيف الثقة في النفس، ويداري على هذا الضعف بتشبثه برأيه وهجوم المخالفين.
كما أنه في كلامه بعيد عن الذوقيات، ويصيبه الإحباط والاكتئاب من أقل شيء، يخشى من مواجهة أهله، ذلك فضلاً عن ظروفه المالية المتعثرة، فهو تقريبًا يبدأ حياته من الصفر.
كل هذه الصفات يتفق معي فيها والداي وأخي وربما لديهم إضافات أخرى لم أذكرها لعدم اقتناعي بها، وفي المقابل وحتى أكون منصفة أذكر إيجابياته مثل أنه طيب جدًّا لدرجة أنه من السهل أن يُضحك عليه، وحسن الظن جدًّا، وفكره متفتح ومثقف ومطلع على الجديد من الأمور، بالإضافة إلى شعوري بتقديره لي والذي اتضح لي من طيات كلامه؛ حيث لا يتركني أغضب.
أضع بين أيديكم كل تفاصيل مشكلتي، بالإضافة إلى أني شخصية اجتماعية وأحب التواصل مع الناس بشكل لبق، أريد رأيكم بكل صراحة ووضوح، هل استمر مع خطيبي هذا لعل الله يصلح من شأنه؟ أم أنفصل عنه؟
رجاء سرعة الإجابة على استشارتي، فأنا على حافة الانهيار العقلي والفكري والعاطفي، وأريد أن أحسم موقفي مع خطيبي في أقرب وقت.
يجيب عنها: الدكتور أسامة يحيى الاستشاري الاجتماعي في (إخوان أون لاين):
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد...
لقد أصاب خطيبك- على الرغم من تدينه- عددًا من أمراض المجتمع التي شاعت للأسف بين الناس في هذا العصر.
فهو يكذب عندما يجد نفسه في مأزق، وهذا للأسف شأن الكثير من الناس عند تعرضهم للمأزق أملاً في الخروج منها بسلام.
إنه يتشبث برأيه ويهاجم مخالفيه، وهي خصلة من إرث التربية في ظل الديكتاتورية واحتقار رأي الآخر.
في كلامه بعيد عن الذوقيات، وهي خصلة ترجع لتربيته وبيئته وشخصيته.
يصيبه الإحباط والاكتئاب من أقل شيء، لوهن في عزيمته وضعف في ثقته بنفسه أو أن هناك ما يفوق طاقته وقدرة تحمله من مسئوليات ومشكلات ناء بها كاهله.
يتلفظ بألفاظ نابية، ولا شك أنها عادة ممقوتة منفرة، ولكنه يفعلها إبان غضبه، وهذا سلوك بشري شائع، ولكن اللافت للنظر أنه يكف عن التلفظ بها في وجودك تلبيةً لطلبك وتنفيذًا لرغبتك على الأقل أمامك؛ ما يدل على أنه يحترمك ويراعي مشاعرك، وهذا أمر لا شك أنه جيد.
إنه فوضوي في تفكيره (رغم أنه- كما تقولين- فكره منفتح ومثقف ومطلع على الجديد من الأمور)، فوضوي في ملابسه وطريقه طعامه، كل ذلك سيضيف عليك عبئًا كبيرًا، ولكن إن أحسنت تناوله والتعامل معه بنجاح فمن الممكن أن يأتي بخير كثير.
يقع- في الأساس- على عاتق المرأة نظام البيت العام من نظافة البيت وترتيبه، ونظام الروتين اليومي للبيت، وما به من ضبط إيقاع البيت وأفراده في مواعيد أداء الصلاة، ومواعيد تناول الطعام وكميته وكيفيته، ومواعيد النوم، ومواعيد الزيارات الخارجية، وتنظيم مذاكرة الأولاد، يقع هذا النظام- في الأساس- على عاتق ربة البيت وملكته، وبالقطع لا ينفي ذلك أن للرجل أدواره في هذا الشأن.
فإذا كانت طبيعة الزوجة منظمة للغاية بينما طبيعة زوجها فوضوية فستتعب المرأة قليلاً أو كثيرًا في إخضاع بيتها لنظام بعينه؛ لأن زوجها لا يعينها على ذلك بل يؤدي دورًا معاكسًا، ولكن في نهاية المطاف وبعد شيء من شق الأنفس سيكون بيتها على درجة من النظافة والترتيب والنظام مقبولة جدًا، وسترافق عمليات فرض الزوجة لنظامها الجيد محاولة تغيير طبيعة زوجها الفوضوية، وما تستجلبه عملية التغيير هذه من نشوب حوارات ومشادات واعتراضات، فهما على طبيعتين مختلفتين متصادمتين في أمر لا يجلب الاختلاف فيه راحة، وبمزيد من الصبر واستخدام المناسب من الوسائل والأساليب من الممكن أن يتلطف أمر الزوج قليلاً أو كثيرًا، وقد يصبح أكثر انضباطًا والتزامًا بعد بذل الجهد معه والصبر عليه.
وفي الجانب المقابل يجب على الزوج الفوضوي أن يتقبل محاولات تغييره ويستجيب لها ويجتهد لينضبط ويلتزم ويتغير.
أما إذا كانت المرأة هي الفوضوية بينما زوجها هو الذي يحب النظام والدقة فتلك نكبة كارثية، وسيكون حال البيت في الغالب كحال ربَّته فوضوي، لا يعرف نظامًا ولا يعرف ترتيبًا، ذلك لأن الزوجة- وهي المناط بها برنامج النظافة والترتيب والنظام وبرنامج الروتين اليومي وضبط إيقاع البيت بوصفها ملكته- فوضوية وطبيعتها عاجزة عن تفهم معنى النظام، ولا تعرف نظافة ولا ترتيبًا، وتقنع بمستوى ضعيف في النظام والترتيب، ولا تستطيع ضبط شيء من البرنامج اليومي.
إنه يهرب من مواجهة أهله، وهل تريدين من زوجك أن يواجه أهله؟، وما المواجهة يا ابنتي إلا نوع من الحرب، فهل من المفترض في الرجل أن يواجه أهله في حرب؟، ومن أجل مَن سيحارب الرجل أهله؟، لقد كان معهم قبل زواجه مندمجًا معهم ملتحمًا بهم ذائبًا فيهم، وعندما دخلت حياته امرأة دخل معها تسميم الأجواء بينه وبين أهله؟.
إن عقد زواج الرجل يا ابنتي ليس عقد نقل ملكية تتم به نقل ملكيته من أهله إلى زوجته، وإنما هو عقد يضيف على الرجل أعباء جديدة ومسئوليات عديدة إلى ما كان لديه من أعباء ومسئوليات، وليس عقدًا يدفعه لخوض حروب مع أناس كان يومًا ما مندمجًا معهم ملتحمًا بهم ذائبًا فيهم، إن زوجك- بالمستقبل- يا ابنتي ليس من أملاكك ولن يكون من أملاكك، إن زوجك- بالمستقبل- يا ابنتي ليس عليه مواجهة مَن تشائين ومسالمة مَن تريدين، فهو له رؤاه وطريقته وتفكيره وأسلوبه الذي ينبغي أن تحترميه.
إنما قد يكون هروبه من مواجهة أهله نوع من الحكمة، حتى لا يصطدم بهم فيتعسهم ويتعس نفسه ويتعس زوجته بهذا الصدام، وهذا- في أحيان كثيرة- عين العقل، إنما بهروبه عن مواجهة أهله يعرب عن عجزه أو حيرته أو قلة حيلته أو جهله أو انتمائه العضوي لهم أو حبه لك، نعم حبه لك، فالإنسان إذا وضع في موقف مفاصلة وعليه أن يختار بين أن ينتقص من حق أحد فسينتقص من حق أقربهم إلى قلبه؛ لأنه يعلم أن مراضاة الحبيب القريب أسهل من مراضاة الغريب البعيد، فينحاز للغريب البعيد أملاً في سعة صدر وكبر قلب الحبيب القريب، وكثيرًا ما يحدث هذا بين الناس، وكثيرًا أيضًا ما يساء فهمه من الناس.
إنه في زيارته لا يهتم بمظهره وهو في ذلك مخطئ، فلا بد له من الاهتمام بمظهره في حضورك وغيابك، لا بد من أن يهتم بمظهره لأنه حقك كزوجة- بالمستقبل- وحقه كإنسان وواجبه تجاه نفسه والآخرين كمسلم، وإنما حسن الهندام لمن لم يتعود عليه ولم يألفه يأتي بالإقناع والتدريب والتيسير والتعود والتشجيع ثم تذوق حلاوة نتيجة حسن المظهر والاهتمام بجمال الهندام، فلا تيأسي- إن كتبه الله زوجًا لك- من مساعدته على الاهتمام بمظهره برقة الأنثى ودلال الأنثى، فإن استخدمت الأسلوب المناسب لطبيعة الرجل في ظل وجود حبه لك واحترامه لرأيك فستستطيعين تغييره للأفضل، وإن طُرق تغيير الرجال لا تعرفها أغلب النساء، ولذلك كثير من الزوجات يفشلن في تغيير أزواجهن فشلاً ذريعًا.
يا بنيتي، لا تبحثي عن تطابق بينك وبين خطيبك، فلن ينطبق طبع الرجل وأولويات الرجل واهتمامات الرجل وقدرات الرجل وإمكانيات الرجل على طبع المرأة وأولويات المرأة واهتمامات المرأة وقدرات المرأة وإمكانيات المرأة أبدًا، فكل منهما له وظائف وأدوار مختلفة، فالذي ينشد تطابقًا مع شريك حياته إنما ينشد المستحيل، وإنما المطلوب بين الزوجين أن يجلب هذا التباين تكاملاً في الأدوار التي تقوم عليها الحياة ومسئولياتها في ظلال وارفة من احترام كل من الزوجين لهذا التباين واستثماره لصالح البيت وقضاء مصالح البيت وتربية الأولاد.
فلا بأس من أن تكوني شخصية اجتماعية وتحبين التواصل مع الناس بشكل لبق وتعملين في وظيفة مرموقة تعتمد على الشكليات والاجتماعيات ويصفك الجميع باللبقة والمتحدثة الجيدة وحسنة المظهر وواسعة الثقافة، وفي نفس الوقت يكون زوجك على غير ذلك، وربما- في كثير من الأحيان- يثمر هذا الاختلاف بين الزوجين تضافر جهودهما لإنجاز كم عريض من الأعمال المختلفة التي تغطي كل احتياجات البيت وتربية الأولاد.
يا بنيتي، لقد منحك الله شابًا تتمناه الكثيرات من الفتيات، فهو كما تقولين يتميز بالفكر الواعي، ومتدين، ويحمل همَّ الأمة، طيب جدًّا، وحسن الظن جدًّا، وفكره متفتح ومثقف ومطلع على الجديد من الأمور، بالإضافة إلى أنه يحبك جدًّا، ويخاف عليك، ولا يقوى على تركك غضبانة منه ولو للحظة، ويريد أن يلبي لك كل رغباتك.
تحيط به ظروف قاسية قاهرة قد تعرقل إتمام الزواج في وقت قريب، فظروفه المالية متعثرة، وهو تقريبًا يبدأ من الصفر، ولم يتم دراسته بعد، وليس لديه شقة للزواج، إن أمثال هذه الظروف الصعبة لا شك قد تجعلنا نعيد التفكير في المضي قدمًا في إتمام هذه الخطوبة إن كنا في عجلة من أمر الزواج، أنقبل بشاب لم يستطع الباءة بعد ولم يمتلك ما يجعله يطرق باب فتاة ليخطبها أم لا؟، أنستطيع الصبر عليه حتى يصبح مستعدًا من الناحية المادية لإتمام الزواج؟.
والإجابة على هذه الأسئلة ستفتح علينا العديد من الأسئلة الأخرى التي يلزم إجابتها كالتالي:
هل هذا الشاب بما فيه من مزايا وسلبيات يستحق الصبر عليه والوقوف بجانبه ودعمه وحثه على أن يبذل جهده ليوفر الحد الأدنى من نفقات الزواج أم لا؟.
وهل سنستطيع الصبر عليه دون افتعال مشاكل فلربما تطول فترة ما قبل الزفاف قليلاً؟.
ما أقلقني يا ابنتي في رسالتك أنك على ما يبدو تضعينه في اختبار تلو آخر، وهذا شأن الفتاة المترددة دومًا، فهو عندما يكون في مأزق يكذب، فلم نضع العريس في مآزق لنرى ماذا سيفعل؟، وهو لا يقوى على تركك غضبى منه ولو للحظة، وهذا شأن المحب، فلماذا تغضبين منه وأنت في بدء حياتك معه؟.
وفي النهاية، أشعر أنك لم تمتلئي منه بعد من الناحية العاطفية، ولم يتملك حبه قلبك فضجرت بالمبهج واستثقلت ما يسعد، ووضعتيه تحت المجهر، ونبشت جيدًا في شخصيته- وهذا أمر حسن- واستخرجت كمًّا من السلبيات التي يغلب عليها للأسف الشيوع وسط الشباب، وجعلتيها نصب عينك لتقود قلبك، كما نظرت لبعض الإيجابيات والإشارات الموحية بحبه لك على أنها أمور سلبية مثل استنكارك لإطالة فترة زيارته لك.
يا بنيتي، اعط لنفسك فرصة أخرى مع هذا الشاب، وانظري أكثر تجاه إيجابياته وهي كثيرة، وكيف أن مثل هذه الإيجابيات ستسعدك وتريحك، ثم التفتي إلى ما به من سلبيات وستجدين أن أغلبها شائع بين الشباب، وتَقْبَل الحل إذا أحسنا التعامل والعلاج، أو إن من هذه السلبيات من تستطيعين تجاوزه والتعايش معه لعدم إمكانية حله، وتتوقف قدرتك على التجاوز على سعة صدرك ورجاحة عقلك وكبر قلبك وبعد نظرك، فليس من بين الناس من يتصف بالكمال، وليس كل مشكلة يجب حلها، بل في كثير من الأحيان يكون تجاوزها والتعايش معها في سلام هو الحل الوحيد والمخرج الأكيد.
شرح الله صدرك، وأسكن وجدك بكرمه ورحمته.