حتى الآن تقدم لسحب أوراق الترشح لرئاسة الجمهورية المئات لخوض سباق الديمقراطية على رئاسة أكبر دولة عربية في المنطقة، وهناك عدة ملامح وقراءات لهذا الحدث:
الأول: أنه لولا ثورة 25 يناير لما شهدنا هذا المنظر؛ فكان في السابق نرى الحزب الحاكم يتفق مع بعض الأحزاب للدفع بشخصية حزبية للترشح أمام الرئيس المخلوع؛ لإظهار المشهد بالديمقراطية والمنافسة، وهذا ذكَّرني بفيلم هاني رمزي "ظاظا"، وفي حينها كتبت مقالاً بعنوان "ظاظا والسياسة والسيد الرئيس"، شرحت فيه أنه برغم دفع الرئيس ببعض الشخصيات فإنه ربما ينقلب الأمر عليه، وهذا ما حدث مع سعيد ظاظا، وأدى إلى قتله في نهاية الفيلم.
الثاني: أن هناك العديد من الشخصيات العادية التي لم يسبق لها العمل السياسي، رجالاً ونساءً، تقدموا بسحب أوراق الترشح؛ رغبةً منهم- في غالب الأحيان- في خدمة مصر والسعي إلى رقيِّها ونهضتها، كلٌّ بطريقته وأسلوبه، وهذا مؤشرٌ مهمٌّ يدل على أن الكثير من أبناء هذا الشعب العظيم يريد أن يسهم في بناء مصر.
الثالث: أن البعض ربما لا يعرف قيمة هذا المنصب الرفيع ومكانته، وأن مصر ليست كأية دولة، وأن هناك تحديات كثيرة في الداخل والخارج، وأن البعض لا يريد لمصر الثورة أن تسير في الاتجاه الصحيح، وأن هذا المنصب هو تكليف وليس تشريفًا، ولا بد على من يتقدم لهذا المنصب أن تكون لديه خبرة سياسية كافية، ومعرفة بكل هذه التحديات؛ فمع احترامي للكثير ممن تقدم بسحب أوراق الترشح إلا أنه يجب أن يعيدوا التفكير مرةً أخرى في هذا الشأن.
الرابع: لو أن كل واحد من الذين يرغبون في تحمّل هذا العبء والقيام بهذه المسئولية سأل نفسه بعض الأسئلة المهمة: هل هو فعلاً يستطيع تحقيق آمال الشعب المصري وطموحاته؟ وهذا ما قاله الأستاذ فاروق جويدة في مقالته الجمعة 10/3 بعنوان: "نريد هذا الرئيس"، ووضع له مواصفات عديدة؛ منها:
أن يحترم آدميتي، ولا يبدأ مشواره معنا وهو يتحدث عن البسطاء والفقراء والجوعى ثم ينتهي به الحال إلى بطانة وعرش وعصابة تستغل كل شيء حوله..
نريده إنسانًا بسيطًا مثلنا يعرف وجوهنا ويحفظ ملامحنا..
نريد رئيسًا مثقفًا يعرف تاريخ وطنه العظيم..
نريد رئيسًا يحكم بالعدل, فلا يأكل الوليمة وحده ويترك البقايا لشعبه ولا يجمع اللئام ويطرد أهل الكرم..
نريد رئيسًا يشعر بآلام الناس ولا ينسى مع الوقت أن الحكم مسئولية وأن المنصب أمانة..
نريد رئيسًا يؤدي دوره في خدمة شعبه ثم يعود مواطنًا عاديًّا يمشي في الأسواق ويتكلم مع الناس..
نريد رئيسًا يحكمنا بلا أسرته ويقودنا بلا أبنائه..
نريد أن نعرف كل شيء عن ذمته المالية وما يملك هو وأسرته، وأن نعلم كل شيء عن حالته الصحية وما يعانيه من العلل والأمراض، وأن يقدم لنا تاريخ حياته بكل الصراحة والوضوح..
نريد رئيسًا يحترم إرادة الشعب وحقه في برلمان حقيقي منتخب، وحكومة لها اختصاصات ومسئوليات واضحة وسلطات قضائية وتنفيذية وتشريعية ورقابية؛ فهل المرشح سيقوم بمثل هذه الأمور؟!
نرجو ذلك.