يكمل الكاتب الشيوعي المصري "عبده جبير" شهادته على التنظيم السري التي نشرها في جريدة أخبار الأدب المصرية الشيوعية العدد939 في 24/7/2011م ، فيقول:
".. أسقط في يدي (ورجلي أيضًا) وبدأت أحس بالأرض تميد بي، لكن الرجل فاجأني بمعرفته بأنني صعيدي وأن من شيم الصعايدة إكرام الضيف، وطلب قهوة على الريحة، كنت أعيش وحدي فذهبت للمطبخ وصنعت له قهوة، وعدت، لكنني فوجئت بأنه دخل للموضوع مباشرة ورشف رشفة واحدة من القهوة ولم يقترب منها بعد ذلك (اكتشفت بعدها بأنني وضعت الملح بدلاً من السكر دون قصد وهو ما عكس ارتباكي)، المهم أن الرجل بدأ بدغدغة، بأن هنأني بأنني من الأسماء المرشحة للقيادة في الإعلام!! والمهم أن الحوار دام أكثر من ساعتين (وأنا أحسستهما وكأنهما أطول من قرن)، بدأ بسلسلة من الإغراءات أخذ يسرب الواحدة بعد الأخرى، من شقة تليق بك ولم لا تكون على النيل، بدلاً من سكناك في حارة في السيدة، وسيارة فاخرة بدلاً من السيارة 128 المهكعة، ولمح لي كمزيد من الضغط بأن أغلب زملائي الصحفيين من جيلي يعملون معهم، وكثير منهم في دار الهلال وروز اليوسف والأهرام، وأن المسألة لن تتعدى لقاءً كل فترة على فنجان شاي، وأنه وأنه...
بالقطع كنت مرتبكًا وغاضبًا إلى أقصى حدود الغضب، ولكنني تماسكت وحاولت أن أشرح بكل هدوء:
- أولاً: أنا رجل صعيدي، تربيت على الشرف الذي رضعته مع لبن أمي، ثم رسخته بالقراءة، ما يعني أنني لا أحتقر إنسانًا بقدر احتقاري لمن يعمل مع مثل هذه الأجهزة مهما كانت، وهذا موقف لا يستطيع شيء أو أحد أن يزحزحني عنه، وأن حقيبتي جاهزة للمعتقل إن كان يريد اعتقالي.
- إنه أخطأ العنوان لأنني أبدًا لم يكن من ضمن طموحاتي أن أصبح رئيسًا لتحرير أي مجلة أو صحيفة حتى لو كانت الأهرام (لأن عملي في الصحافة، أصلاً، هو شيء أنا مجبر عليه لأن كتابة الروايات لا تكفي لأكل العيش)، ولم اعتبر نفسي يومًا صحفيًّا محترفًا، وإنني إن وجدت نفسي في هذا الموقع، فإن أول شيء سأفعله أنني سأقوم بهدم هذه المؤسسة على رءوس من فيها والأسباب يطول شرحها.
إن الشيء الوحيد الذي أنا متأكد من أنني خبير فيه وأستطيع إبداء الرأي فيه بكل ثقة، هو القصة القصيرة والرواية، ولا أظن أنه قادم ليسمع رأيي في القصة أو الرواية.
- إنه وحتى إذا كان لي رأي في السياسة فإنني في هذا المجال أعتمد على ضميري الوطني، لكنني أبدًا لم أحسب نفسي خبيرًا في الِشأن العام، حتى أقول رأيًا ولو كان استشاريًّا، لأن رأيي في السياسة يقترب من أن يكون رأيًا فوضويًّا، فأنا أتمنى أن تنتهي مرحلة الدولة في تاريخ البشرية، فأنا في حقيقتي فوضوي إلى أقصى درجات الفوضوية، أما رأيي في الاقتصاد فأنا أتمنى أن لا يكون هناك اقتصاد أصلاً، وأن تعود البشرية لمرحلة المشاع؛ حيث يعود الناس للغابة، ويأكلون الثمار الساقطة عليهم من الأشجار وهم ممددين وسط النساء لا يفعلون شيئًا سوى ممارسة الحب والأكل وليذهب العمل للجحيم، فهو سر شقاء البشرية.
- وفي النهاية قلت له: إنه إذا كانت نية جهازكم صادقة- كما تقول- فعليه أن يفهم دوره كما يفهم دور المثقفين، فدوركم هو الحفاظ على النظام القائم، ودورنا هو التبشير بالمستقبل، والنظام الذكي (منين يا حسرة) هو الذي يعترف بدور المثقفين، ويتركهم في حالهم يبدعون، فإبداعهم هو أهم قيمة لهذا الوطن، ولأي وطن.
طبعًا كان الرجل فاغرًا فمه طوال الوقت، ولا أظن أنه فهم شيئًا مما قلت، وفي النهاية طلبت منه مشكورًا أن يتركني في حالي، وأن تكون زيارته هذه هي الأخيرة، أو أن يحضر في المرة القادمة ليقبض عليّ، وإلا فسأضطر لترك البلد إن كان ولا بد.
وأظن أنني نقلت إليه حالة الارتباك، فليس هناك شيء مما قلته يبعث علي الطمأنينة بأن هذه الأقوال يمكن أن تصدر عن إنسان عاقل.
أخيرًا وقف الرجل الذي كان طوال الوقت قد بدا في غاية اللطف وقد تحول إلى ضابط شرس، وأصدر إليّ أمرًا بطريقة غاية في الجلافة والخشونة بأنه من الممنوع عليّ أن أتحدث مع أي كان عن هذه المقابلة، لكنني وقد كنت أحسست بالزهو وأنا أرى بأنه لم يفهم شيئًا، ولم يحصل على شيء، قلت:
-لا. الأستاذ مكرم، ودا رئيس تحريري، لازم يعرف وحأقوله.
وقف صامتًا للحظات وقال بصوت متحشرج:
- في الحدود دي مفيش مشكلة.
لا هو ولا أنا استطاع أن يمد يده للآخر، وما أن خرج من ضلفة الباب حتى تصرفت بكل ما أوتيت من حماقة، وأغلقت الباب بكل ما أوتيت من قوة، لكنني وللأمانة وقفت ساكنًا وقتًا- أظنه قد طال- متوقعًا أن يرد بأن يحطم الباب عائدًا بالكلبشات، ولكن هذا لم يحدث، وما حدث أنني بدلاً من أن أدخل من باب الغرفة دخلت في المرآة المعلقة في الصالة، ورأيت من بين شروخها الدماء تسيل من جبهتي.
ما إن استرددت أنفاسي وعالجت جرحي، حتى أمسكت بسماعة التليفون وأنا متأكد بأنه مراقب، وطلبت مكرم محمد أحمد في بيته (وهو شيء لا يقدم عليه أحد من العاملين معه إلا في الطوارئ) وبدا أنه انزعج من هذه المكالمة المتأخرة ظانًّا بأنني أتصل به من المجلة، وبأن حدثًا جللاً قد جرى، لكنني سألته:
- حضرتك جاي بكرة امتى الجرنال؟
- فيه إيه؟
- أنا منزعج جدًّا من مقابلة جرت للتو مع ضابط يدعي أنه من شيء اسمه جهاز الأمن الوطني، وأن عليّ أن أراك بمجرد حضورك في الغد.
ما إن وضعت سماعة التليفون، حتى عدت و تجرأت (وليكن ما يكون) وطلبت الأستاذ بهاء وأنا أعرف أنه ينام مبكرًا، فردت عليّ السيدة الفاضلة أم زياد، فقلت لها إنني مضطر للحديث للحظة مع الأستاذ، فإذا به يرد من السماعة الأخرى:
- إيه يا جبير فيه إيه؟
قلت له عن المقابلة المزعجة، فطلب مني أن أحضر لتناول الإفطار معه في السابعة من صباح اليوم التالي.
طبعا لم أنم هذه الليلة، وهي تكاد تكون أسود ليلة في حياتي، بل هي أشد سوادًا من الليلة التي تم فيها القبض عليّ في القضية المذكورة، وشحنت إلى سجن القلعة غير المأسوف عليه، وفي السابعة بالضبط كنت في بيت الأستاذ، وفوجئت بالدكتور عليّ الدين هلال جالسًا على مائدة الإفطار، وقد لاحظ الأستاذ أنني لم أتناول لقمة واحدة فاستأذن من الدكتور هلال وذهب بي إلى صالون منعزل.
حكيت له حكاية المقابلة المشئومة فبدا في غاية التأثر، وكان مجرد إخباره بالموضوع يعني أنني أطلب منه أن يجد لي حلاً، وكان تعليقه الذي لا أنساه أبدًا:
- الناس دول معندهمشي تمييز؟ وطيّب خاطري وأكد لي بأنه بمجرد أن يصل للأهرام سيتصل بأسامة الباز.
ولأنني لم أكن قابلاً للحديث في أي شيء آخر، استأذنت وتركت منزل الأستاذ بهاء، وأذكر أنني مشيت من الدقي حتى دار الهلال، وأنا أحس بشيء ما غير طبيعي يجري خلفي، وتذكرت الصديق الكاتب المبدع يحيي الطاهر عبد الله الذي كان يتلفت خلفه طوال الوقت "لأنه مراقب" وكنت على كلٍّ أحس بنفس المشاعر التي تقترب من البارانويا.
وصلت إلى دار الهلال وانتظرت مكرم محمد أحمد حتى جاء وشرحت له ما جرى، وللحقيقة كان الرجل في غاية الرقة، وحاول أن يطيّب خاطري بل مازحني بقوله:
- طول عمرك حتبقي صعيدي، يا أهبل دول بيتمنوهم وانتا بترفض؟
أذكر أنه، وللأمانة، احتضنني بكل قوة، بل إنني رأيت الدموع تترقرق في عينيه، وقال إنه سيتصل بمصطفى الفقي ويطلب منه أن ينهي الموضوع، لكن الأقدار شاءت أن لا يعود ملفي من هناك، حتى يومنا هذا، ولم تتم إجراءات تعييني أبدًا، مع أنني أمام الزملاء- بل وفي الوسط الصحفي كله- كنت أقوم بدور رجل الدسك المفدى، أرفض وأقر وأعيد الصياغة، بل وأقوم بمراجعة مقالة رئيس التحرير نفسه، بل وسافرت مبعوثًا رسميًّا من المصور لتغطية فيضانات السودان في نفس العام، وأنا أتولي مسئولية تنفيذ عدد كل ثلاثة أعداد بالتناوب مع الزميلين أحمد أبو كف ويوسف القعيد، حتى جاءت أول فرصة لترك دار الهلال فلم أتردد.
لا أعرف ما إذا كان الأستاذ مكرم يذكر ذلك، لكنني بعد أن خرجت من عنده ذهبت إلى الصديق مصطفى نبيل رئيس تحرير مجلة الهلال آنذاك، وحكيت له ما جرى، والرجل لا يزال يذكر ما جرى حتى الآن (بل إنه أكد لي في حينه أنه سيتصل بأسامة الباز ليرفعوا أيديهم عني)، لأنني وأنا أخط هذه الكلمات، سألته فأكد أنه لا يمكنه أن ينسى، بل إنه لا يمكن أن ينكر شهادته على ما جرى.
إذن كان هناك هذا التنظيم السري الحديدي، المسمى جهاز الأمن الوطني، وأعتقد أنه لا يزال هناك.. يقود الثورة المضادة. والله المستعان".
وبعد هذه الشهادة من الكاتب الشيوعي، هناك سؤال يتحرك في صدري: لماذا دائمًا كان الشيوعيون في صدارة المشهد على مدى ستين عامًا؟ ولماذا كثير منهم ترضى عنه السلطة المستبدة الغشوم؟!.