تعددت المبادرات التي أطلقها مصريون في الداخل والخارج لدعم الاقتصاد المصري، وأعلنت بعض الدول العربية عن حزمة من المساعدات الاقتصادية لمصر؛ حتى يتسنى لها الخروج من أزمتها الاقتصادية.
ولكن الملاحظ أن هذه المبادرات قد توقف بعضها وأصبح في مهب الريح، وبعضها الآخر يسير سيرًا وئيدًا، وأن الدول العربية لم تدفع مما أعلنت عنه سوى مبالغ قليلة، لا تسمن ولا تغني من جوع.
وربما يكون السبب في ذلك هو الأداء المرتعش للحكومات المصرية المتعاقبة، وعدم قدرتها على ضبط الأمور وإحكامها، وليست الحكومة الحالية بمنأى عن هذا الأمر.
فالدكتور الجنزوري كان قد طالب في بداية توليه رئاسة الحكومة بإمهاله شهرين، يتحقق بعدهما للمواطن المصري شيء مما يحلم به، كالاستقرار الأمني، وضبط الأسعار، وزيادة في الرواتب من خلال إدخال تعديلات على بعض بنود الموازنة العامة للدولة، وغير ذلك.. وعندها أيضًا أعلن أنه حصل على صلاحيات رئيس الجمهورية، فيما عدا ما يتصل بالقضاء والجيش.
ومرت المدة التي حددها سعادته والأمر كما هو، بل إن الانفلات الأمني ازداد في عهده، ولم تتحسن الرواتب، ولم تضبط الأسعار، ولم تنته أزمة البوتاجاز، ولا رغيف الخبز... وتبدو وزارته مرتعشة فيما يخص تطبيق الحد الأعلى للأجور، ولا نعلم كيف تتعامل حكومته مع الضرائب المستحقة على أصحاب الملايين والمليارات؟ ولا مع أولئك الذين حصلوا على قروض بالملايين، ولا يقومون بالسداد، وربما لا يفكرون فيه بالمرة؟ ولا ندري أيضًا كيف تتعامل حكومته مع المليارات التي نهبها المخلوع وعصابته؟ وما هي الإجراءات التي تم اتخاذها لاسترداد تلك الأموال؟ التي تغني مصر عن الاقتراض من صندوق النقد الدولي أو غيره، وكل ما نسمعه في بيانات الدكتور الجنزوري عبارة عن أرقام لا ندري مدى صحتها.
وكيف به بعد أن آلت إليه سلطات رئيس الجمهورية أن يكتفي في بياناته بذكر المبالغ التي تم تهريبها إبان الثورة؟!! وكيف به بعد أن آلت إليه هذه السلطات لا نراه يصدر قرارًا واحدًا بصفته رئيس الجمهورية في الأمور التي تدخل ضمن صلاحياته؟!!
ناهيك عن تأخر تطهير، وإعادة هيكلة جهاز الشرطة، وعجز الحكومة البارز في هذا المجال، يضاف إليه ما تمَّ رصده من إعادة توظيف رفقاء مجلس الوزراء السابقين في وظائف سيادية، وكأن مصر قد عقمت عن أن تلد من يصلح لتولي هذه الوظائف من الشباب، كل ذلك يشعرنا أننا ما زلنا محلك سر، منذ أكثر من شهرين على قيام هذه الوزارة بمهامها.
هذا الوضع المرتعش لحكومات مصر المتعاقبة، بجانب عدم إنجاز الاستحقاق الرئاسي، والتأخر في وضع دستور جديد للبلاد؛ هي الأسباب الحقيقية وراء إحجام كثير من المصريين عن المشاركة في مبادرات المعونة المطروحة على الساحة، فلسان حال كثير منهم يقول: لمن أتبرع؟ أأتبرع للمجلس العسكري الذي يحصل أعضاؤه على رواتب شهرية بالملايين؟ أم لأصحاب الوظائف السيادية الذين تفوق رواتبهم مئات الآلاف؟ أم...؟ أم...؟
ولا أدري هل من المؤسف أم من المفرح أن هذه المبادرات لم تصدر عن رجال الأعمال الأثرياء ولا عن الفنانين الذين صدعوا أدمغتنا، وأفسدوا أذواقنا بأعمالهم الهابطة، ولا عن لاعبي الكرة أو مدربي الأندية، الذين يتقاضون رواتبهم بالعملة الصعبة، ولا عن الجنرالات، ولا عن الوزراء، ولا عن الذين امتلأت كروشهم من قوت هذا الشعب المسكين؟!!
إنها ما صدرت إلا عن نفوس احترقت لما أصاب وطنها، فراحت تخفف من حرقتها بالإعلان عن هذه المبادرات التي لن يحصل إقبال عليها إلا مع حكومة تملك قرارها، ورئيس قوي أمين (قرب مجيئه بإذن الله) يخاف الله، ويعمل للوقوف بين يديه ألف حساب، وبرلمان يؤدي دوره في الرقابة والمحاسبة، ولا يخشى أعضاؤه في الله لومة لائم، مع استعداد الجميع أن يربطوا على بطونهم أحجارًا؛ أملاً في غد قريب يحمل الخير لكل المصريين.