هو واحد من حلقة متواصلة من العلماء النجباء الذين تتلمذ على أيديهم وأضحى ذا شأن عال بينهم، وامتلك من المواهب عديدها ما بين الأدبية والفكرية والسياسية والاقتصادية التي كونت له رأيًا مستقلاً مجددًا أمتاز به عن خلفه وعن سلفه.
وبدأت هذه المواهب تتفتح على يد واحد ممن رأوا فيه هذه المقدرة الإبداعية الفكرية، وهو الشيخ حسن البنا الذي أعجب من جزالة عباراته، ودقه معانيه، ورصانة أدبه العفيف.
ونظرًا لالتحاقه بجماعة الإخوان في بداية حياته، فلقد ناله نصيب من المحن والمكاره التي أصابت إخوانه، لكن دوام الحال من المحال، فسرعان ما دبَّ الخلاف بينه وبين المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين الأستاذ حسن الهضيبي، واستقال عن تنظيمهم وتفرغ للدعوة والتأليف.
وليس معنى ذلك أن مواقفه الفكرية المعارضة كانت قاصرة على مؤلفاته، بل لقد امتزجت المعارضة الكتابية بالمعارضة الكلامية في خطبه التي كان يلقيها في مسجد عمرو بن العاص، خاصة بعد وقفته الشهيرة إبان التعديلات التي أدخلت على قانون الأحوال الشخصية عام 1974م؛ ما أدى إلى منعه من الخطابة، وسحبت منه اختصاصاته في وظائف الدعوة بل لقد تمّ إلغاء المنصب الذي كان يشغله آنذاك لكنه لم يكن ليهادن أو يداهن بل ظل على موقفه المعارض؛ حتى إنه قدَّم استقالته من وزارة الأوقاف معلنًا معارضته لسياسة الصلح مع إسرائيل.
وكم عبَّر الشيخ الغزالي بدقةٍ وحسن صياغةٍ عن وسطيه الإسلام الجامعة، وكانت كتاباته بحقٍّ مشروعًا فكريًّا امتزج فيه الإحساس بمشاكل الأمة الإسلامية في ماضيها وحاضرها مع تقديم حلول تجعلها على أمل للنهوض في مستقبلها.
وكان للشيخ الغزالي مواقفه الشجاعة التي واجه فيها نقاد الإسلام ورموزه متذرعين في ذلك بحرية الرأي والتعبير، فأكد لهم أن حرية الرأي لا تعني حماية الخطأ وإعطائه حق الحياة.
ولما تبجح صلاح جاهين وانتقد الإسلام فقالوا له إن الإسلام هو دين الدولة قال لهم: إذا سأهاجم الدولة ثم سخر من عمامة الشيخ الغزالي، فرد عليه الشيخ قائلاً: إن تحت هذه العمامة رأس مفكر يحارب الظلم والإقطاع.
وكذا واجه الاستبداد المالي والمظالم الاجتماعية مقدمًا عدالة الإسلام في العديد من آثاره الفكرية.
وواجه أيضًا الاستبداد السياسي منافحًا عن الشورى الإسلامية، مؤكدًا لزوميتها وفائدتها للنظم الحاكمة.
وكان داعية لتحرير العقل الإسلامي من قيود الجمود لما دعا للتميز بين الأدلة القطعية وآراء الأئمة الذين هم بشر يخطئون ويصيبون.
وظل ممسكًا قلمه يدافع به عن الإسلام، مؤكدًا حقيقته المضيئة داعيًا إلى فهم القرآن، وتدبر محاوره الجامعة الشاملة، مدافعًا عن السنة مبينًّا دورها، وأنها والقران قوام الإسلام، محددًا منهاج مدرسة سبقه إليها وفيها أساتذة كبار من خلال مشروع فكري، وازن فيه بين مدرستي الرأي والأثر حتى لقي ربه في قاعه الملك فيصل بالمملكة العربية السعودية؛ ليدفن بالبقيع في المدينة المنورة؛ حيث سيبقى في ثراها بجانب أصحاب أَحَبَّهُم، ونبي لَكَم تَحَرَّق شوق للقاه
---------------------
* باحث بالقانون الدولي