إن أعظم جريمة ارتكبها حسني مبارك على مدار ثلاثين سنة حكم فيها مصر هي أنه استطاع أن يقتل الضمير في قطاعات كبيرة من الشعب.. لا بد أن نكون صرحاء مع أنفسنا.. هذه هي الحقيقة المرة التي نعيشها.. مشكلتنا الحقيقة ومعاناتنا الكبرى هو الواقع الذي عليه المجتمع.. هو الفساد المتغلل في كل مؤسساتنا السياسية والتعليمية والاقتصادية والثقافية والفكرية.. فساد زرعه مبارك وأعوانه وظلوا طوال سنوات حكمه يتعهدونه بالرعاية، فاستشرى الفساد وتغلل وتعمق وتجذر.. ولن يتمكن المخلصون من أبناء الوطن من اقتلاعه واجتثاثه بسهولة ويسر.. وسنحتاج إلى جهود جبارة وعزائم قوية لاقتلاعه وغرس القيم الرفيعة والأخلاق الكريمة والسلوكيات الراشدة في المجتمع.

 

والمرحلة الحالية تحتاج إلى إخلاص الغيورين على هذا الوطن، وتحتاج إلى إنكار الذات وتغليب المصلحة العامة على المصلحة الشخصية.. وتحتاج إلى تكاتف الجهود لإعادة ضمير الأمة! ضمير الأمة الذي يستمد قوته من الدين السمح دين الوسطية والاعتدال دين التيسير ورفع الحرج حتى تشيع بين أفراد المجتمع السكينة والأمن، والرضا والأمل، والحب والشعور بالكرامة، فنشق طريقنا إلى السعادة والرقي والاستقرار.

 

وكما يقول العلامة الدكتور القرضاوي: أخص ما يميز المجتمع الراقي، المجتمع الفاضل، المجتمع السعيد هو التماسك والترابط، المجتمع الفاضل هو الذي يتعارف أبناؤه فلا يتناكرون، ويتحابون فلا يتباغضون، ويتعاونون فلا يتخاذلون، ويتعاملون فيما بينهم بالعدل والرحمة، فلا يبغي بعضهم على بعض، ولا يقسو بعضهم على بعض، فلا ينسى الواجد المحروم، ولا يهمل القادر العاجز، ولا يأكل الكبير الصغير كالسمك، ولا يعدو القوي على الضعيف كسكان الغابة.

 

وشر ما يعيب المجتمع هو التفكك وضعف الروابط بين أبنائه، وذلك بغلبة الأنانية على أنفسهم، فيذكر المرء نفسه وينسى أخاه، ويقول كل واحد: نفسي نفسي، ولا يبالي أن يجعل من الناس قرابين تقدم لإله أطماعه وشهواته.

 

شر ما يصيب المجتمع: أن يقول كل فرد فيه: لي، ولا يقول: علي... أن تتضخم "أنا"، في نفسه على حساب غيره، فينظر إلى نفسه نظرة استعلاء واستكبار، وإلى الناس نظرة الازدراء والاحتقار.

 

إذن فلا بد من حدّ وسط يقف عنده الفرد، يحس بذاته وكرامته إحساسًا لا ينال من ذات غيره وكرامته وحقه باعتباره إنسانًا... وبذلك يعمل أبناء المجتمع معًا، ويسيرون إلى الهدف المشترك جنبًا إلى جنب، متعاونين على البر والتقوى، متواصين بالحق والصبر.

 

والمجتمع في حاجة إلى ضوابط تحكم علاقاته ومعاملاته بعضه لبعض، فلا تطغى الغريزة على العقل، ولا القوة على الحق، ولا الهوى على الواجب، ولا المنفعة الخاصة على المصلحة العامة، وهذه الضوابط لا تؤدي مهمتها، إن لم تكن ضوابط أخلاقية، مبعثها النفس، ومصدرها الضمير.

 

ولهذا كان كل بناء أو إصلاح أو تغيير اجتماعي لا يقوم على إصلاح الأنفس وإيقاظ الضمائر، وتربية الأخلاق، أشبه ببناء على كثبان من الرمال.

 

والدين- بلا ريب- هو أعظم مدد للضمير، وأقوى "مولِّد" يغذيه ويمده "بالتيار" الذي يمنحه الضوء والحرارة والقوة المحركة.
إن الضمير الذي يربيه الدين برقابة الله وبحساب الآخرة ضمير حي يقظ مرهف الحساسية، يحاسب الإنسان قبل أن يقوم على العمل، إن صلة الدين بالضمير صلة هيمنة وتوجيه وإرشاد وسيطرة؛ إنها صلة هيمنة تستمر مدى الحياة وإذا ما زالت هذه الهيمنة في أي فترة من فترات الحياة، فإن الضمير يختل اتزانه وتوازنه، ويتأرجح ويتذبذب؛ لأنه يحتاج باستمرار إلى القائد المربي، وليس القائد المربي إلا الدين.

 

الأمة تحتاج إلى هذا النوع من الضمير الذي يحقق الخير الكامل؛ لأنه يحرص على أن يحكم الإنسانَ في كل علاقاته ضوابط محددة، وأخلاقيات عالية، وآداب رفيعة، تضمن له النجاح في كل أنواع التعامل: التعامل مع الله ومع النفس ومع الناس ومع كل شيء من حوله (البيئة وما فيها من أشياء).

 

وإذا أخلّ الإنسان في تعامله مع أي جانب من هذه الجوانب ينتقص ذلك من مكانته ويقلل من درجته.

 

والإنسان السوي هو الذي يعطي لكل ذي حق حقه، ويحسن التعامل في كل شيء، "إن الله كتب الإحسان على كل شيء".. فهيا بنا نضع أيدينا في أيدي بعضنا نتعاون فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه.. ونجعل مصلحة الوطن فوق مصالحنا الشخصية.. ونقاوم الفساد في كل مكان بكلِّ ما نستطيع من قوة، حتى نعيد للأمة ضميرها الذي سلب منها.