كان واضحًا من البداية أن قضية التمويل الأجنبي التي تمَّ بموجبها تقديم بعض الأمريكيين للمحاكمة أمام القضاء المصري لأول مرة قضية سياسية غير مفهومة المقاصد، ومع ذلك قدمت للشعب باعتبارها قضية كرامة وعزة وسيادة وطنية... إلخ، وتبارى رجال المجلس العسكري من عسكريين ومدنيين لإطلاق التهديدات العنترية، ومنها إن مصر لن تستسلم ولن تركع، ثم جاءات الكارثة بركوع مهين أذل أعناق المصريين، وجرح كرامتهم التي شعروا بعودتها بعد ثورة 25 يناير.

 

ظننت في البداية أن القضية تستهدف تحقيق مكاسب سياسية أو مادية لمصر، مثل زيادة المعونات بدلاً من خفضها أو قطعها، أو الإفراج عن الدكتور عمر عبد الرحمن باعتباره أحد الرموز المصرية الكبرى التي لا تزال حبيسة السجون الأمريكية، ومعه أكثر من خمسمائة سجين مصري، وكنت مستعدًا لقبول هذه المقايضة لو تمت والترويج لها، باعتبار أن السياسة هي فن الممكن، لكن شيئًا من ذلك لم يحدث، ولم يتحدث به رجال المجلس العسكري، ورغم ظهور بوادر أولية لتحسين معاملة الدكتور عمر عبد الرحمن نتمنى أن تكون مقدمة للإفراج عنه، إلا أن هذه الطريقة لا تمسح عار الانبطاح أمام الإدارة الأمريكية.

 

وقد كان ينبغي الإفراج مباشرة عن الشيخ الضرير وإعادته إلى مصر على الطائرة ذاتها التي هبطت في مطار القاهرة دون إذن مسبق لتقل المتهمين الأمريكيين، في انتهاك واضح للسيادة المصرية، وفي عملية نصب كبرى كشف بعض ملامحها وزير الطيران المدني أمام مجلس الشورى، وهو منظر يذكرنا بعملية فاشلة سابقة للحكومة الأمريكية لتحرير رهائنها الدبلوماسيين في سفارتها في طهران الذين احتجزهم طلاب إيرانيون غاضبون عقب قيام الثورة الإيرانية، وقد أرسلت الإدارة الأمريكية في عهد الرئيس جيمي كارتر طائرتين اخترقتا الأجواء الإيرانية بهدف تحرير الدبلوماسيين لكن الطائرتين اصطدمتا ببعضهما فوق الأجواء الإيرانية وفشلت المهمة، ولم يتم الإفراج عن الدبلوماسيين إلا وفق اتفاق سياسي فرضت فيه إيران شروطها على الجانب الأمريكي.

 

ما قدمه الوزراء الثلاثة (وزيرة التعاون الدولي ووزير الطيران المدني ووزيرة الشئون الاجتماعية) من توضيحات وتبريرات أمام مجلس الشورى حول ملابسات عملية الترحيل لم يكن مقنعًا، بل إنه زاد الأمر التباسًا؛ حيث كشف وزير الطيران المدني عن عملية تدليس قامت بها أكبر دولة في العالم عبر تقديم بيانات خاطئة للطائرة وللرحلة، كما أن وزيرة التعاون الدولي فايزة أبو النجا التي اجتهدت كثيرًا في الدفاع عن نظام مبارك عبر دفاعها عن طريقة التعامل التي تمت خلال السنوات العشر الماضية مع الإدارة الأمريكية خصوصًا في ملف المساعدات، والتي أشعلت حماس المصريين واستثارت همتهم وكبرياءهم من خلال التسخين والتصعيد في قضية تحويل الأمريكيين للمحاكمة، وقفت أمام المجلس لتحاول التنصل من عملية الترحيل المهينة، وكان حريًا بها بعد كل ما فعلته أن تسارع لتقديم استقالتها بشكل منفرد إن لم تتقدم الحكومة باستقالتها بشكل جماعي؛ احتجاجًا على ما حدث.

 

المجلس العسكري وحده، هو من أشعل القضية وتولى كبرها، وهو من أنهاها بهذه الطريقة المهينة، ولا دخل للإخوان فيها من قريب أو بعيد، وما صرح به النائب الأمريكي جون ماكين من دور للإخوان في إنهاء الأزمة شكرهم عليه، لا يتعدى حدود التوضيح له خلال لقائه مع المهندس خيرت الشاطر نائب المرشد العام أن لا دور للإخوان في تأجيج القضية؛ حيث كان من الواضح أن المجلس العسكري قدَّم الموضوع للأمريكان باعتبار أن الإخوان هم من يقف وراء الحملة على منظمات المجتمع المدني، على الرغم من أن الإخوان كانوا من أكثر المتضررين من تعامل النظام السابق مع العمل الأهلي، ورغم أن الإخوان دعوا في مرات عديدة قبل ثورة يناير وبعدها إلى تغيير قانون الجمعيات الأهلية ليصبح أكثر ديمقراطية في تعامله مع الجمعيات ومنظمات المجتمع المدني، ومن الواضح أن هذا الموقف الإخواني هو ما فاجأ جون ماكين والإدارة الأمريكية، ووضع المجلس العسكري في مواجهة منفردة مع الإدارة الأمريكية لم يصمد خلالها المجلس في مواجهة التهديدات الأمريكية.

 

لم يكن للإخوان مصلحة قط في تقديم تنازل للأمريكان بهذه الطريقة المهينة، خاصة أنهم ليسوا في موقع السلطة التنفيذية، كما أنهم ليسوا بحاجة للاعتراف الأمريكي بهم أو الضغط على المجلس العسكري للاعتراف بهم بعد أن اكتسبوا الشرعية وتولوا رئاسة مجلسي الشعب والشورى بأكثرية نيابية، وهم ليسوا مدرجين على قوائم الجماعات الإرهابية حتى يقايضوا واشنطن بهذا التنازل، وهم قبل كل هذا يدركون جيدًا حساسية هذه القضية بالنسبة للمصريين خاصة بعد الثورة، ولا يمكنهم أبدًا المجازفة بتاريخهم وتضحياتهم وحتى مكتسباتهم للتوصل إلى هذه التسوية.

 

الموقف الحقيقي للإخوان من هذه العملية المهينة ظهر في مناقشات مجلس الشورى وسيظهر يوم الأحد في مجلس الشعب، ومن قبل ذلك في بيانات رسمية أصدرتها الجماعة تنفي توسطها لإتمام الصفقة، وكان آخرها البيان الذي صدر يوم 2 مارس الذي نفت فيه تمامًا تدخلها في القضية واحترامها للقضاء، وهو ما سبق أن تضمنه بيانها الصادر يوم 20 فبراير والذي أكد "أن هذه القضية طالما أصبحت في ذمة القضاء فلا يصح لأحدٍ مصري أو أجنبي أن يتدخل فيها، خصوصًا أن قضاءنا قضاء شامخ نزيه يحظى منَّا بكل الثقة، كما أننا في نفس الوقت ندعم منظمات المجتمع المدني التي تستهدف مصالح البلد، وتتبنى أجندةً وطنيةً، ولا تخضع لابتزاز أو أهداف خارجية، وتحترم القانون وتلتزم بالشفافية".

 

أتوقع أن نشهد مواجهة حامية بين نواب الشعب وفي مقدمتهم نواب الحرية والعدالة يوم الأحد المقبل مع المجلس العسكري ومجلس الوزراء حول هذه القضية، ولن يهدأ المصريون قبل أن يروا رءوسًا تتطاير مستقيلة أو مقالة.