بعد فوز الإسلاميين في الانتخابات في أكثر من دولة عربية مؤخرًا، نحتاج إلى التأسي بالهدي الإسلامي في أخلاق النصر، ولم تهتم الكتابات بهذا الموضوع- حسب بحثي- اهتمامها بموضوع: أسباب النصر، والمحن، والابتلاءات، وفقه الاستضعاف، والحديث عن أسباب تأخر النصر، وصفات جيل النصر المنشود، وغير ذلك.
فحاولت أن أسد هذا النقص مجتهدًا، بالحديث عن بعض الأخلاق التي يجب أن يتحلى بها المنتصرون؛ حتى يحفظ الصف الإسلامي حسن سمته وهدي دينه في النصر، كما يحفظهما في المحن، ومن هذه الأخلاق:
1- استشعار معونة الله وإرجاع الفضل إليه:
فلا بد من وجود ثغرة في صفوف المؤمنين، سدها الله تعالى بجنوده التي لا يعلمها إلا هو، وصرف العدو عن أخذ الفئة المؤمنة منها، كما أنه تعالى يمد الصف المؤمن بجنوده من نعاس وأمنه وغيرها، قال تعالى: (هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (4)) (الفتح).
وقال أيضًا: (وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا) (الفتح: من الآية 20).
وقال أيضًا: (وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (24)) (الفتح).
وقال أيضًا: (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاء حَسَناً إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (17) ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ (18)) (الأنفال).
2- التسامح:
وهذه الصفة من الصفات التي يجب أن يتحلى بها المسلم في كل حالاته؛ النصر وغيره؛ لذا كثر الحديث عنها، ولكن أبرز ما يمكن ذكره أن بعض المؤرخين الأوروبيين ذكروا أن صلاح الدين الأيوبي قد تنصَّر وعُمِّد في الكنيسة في بيت المقدس؛ لأنهم لم يستطيعوا تصور أن فردًا من غير دينهم، يسامحهم كل هذا التسامح، بعد أن جعلوا دماء المسلمين في بيت المقدس تعلو حتى الرُّكب، وبعد أن قتلوا رسله ومثَّلوا بهم.
3- عدم المسارعة إلى الغنائم:
وهذا الخلق لم أجد من ذكره ولكنه يستشف من غزوة أحد؛ حيث كانت المسارعة إلى جمع الغنائم سببًا في تحويل النصر إلى هزيمة، كما كان هذا خلقًا محمودًا في الجاهلية؛ حيث قال عنترة:
يُخبركِ منْ شهِدَ الوقيعةَ أنَّني أغشَى الوغَى وأعفُّ عندَ المغْنَمِ
4- مراعاة الجوانب النفسية عند المهزومين إذا خضعوا:
فالرسول صلى الله عليه وسلم لما أشير عليه بأن أبا سفيان رجل يحب الفخر، وأن يجعل له شيئًا، وقد أسلم، قال صلى الله عليه وسلم: "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد الحرام فهو آمن".
5- عدم سرقة النصر:
وتكون سرقة النصر بنسبته لنفسك، وغمط الآخرين دورهم، فالنصر قمة هرم من الجماجم التي رفعتك فوقها، والأمة المؤمنة لا تنصر بأقويائها بل بضعفائها.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هَلْ تُنْصَرُونَ إِلَّا بِضُعَفَائِكُمْ بِدَعْوَتِهِمْ وَإِخْلَاصِهِمْ".
6- تذكُّر حق رفقاء الضعف وزملاء الجهاد:
ففي نشوة النصر ينسب البعض النصر لنفسه، ويعظم دوره، ويهون من دور الآخرين، وليس هذا من خلق المؤمنين، ففي صحيح مسلم (3/ 1406)، أن رسول الهخ صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة، تحدث الأنصار بأن رسول الله سيرغب في قريته، وفي أهله فيمكث فيهم، ولكن رَسُول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ" قَالُوا: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: "قُلْتُمْ: أَمَّا الرَّجُلُ فَأَدْرَكَتْهُ رَغْبَةٌ فِي قَرْيَتِهِ؟" قَالُوا: قَدْ كَانَ ذَاكَ، قَالَ: "كَلاّ، إِنِّي عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، هَاجَرْتُ إِلَى اللهِ وَإِلَيْكُمْ، وَالْمَحْيَا مَحْيَاكُمْ وَالْمَمَاتُ مَمَاتُكُمْ"، فَأقبلوا إليه يبكون ويقولون: والله، ما قلنا الذي قلنا إلا الضن بالله وبرسوله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ يُصَدِّقَانِكُمْ، وَيَعْذرَانِكُمْ".
فلم ينس الرسول صلى الله عليه وسلم دورهم في احتضان الدعوة، والجهاد في سبيلها، ونصرة رسول الله، وربَطَ بقية حياته بهم.
7- تذكُّر أيام الذلة والضعف:
وقد حثَّ الله تعالى على هذا الخلق في محكم آياته في غير موطن؛ حيث كان تعالى يذكرهم بهذه الأيام؛ قال تعالى: (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (123)) (آل عمران)، وقال أيضًا: (وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (26)) (الأنفال).
تلك بعض أخلاق النصر التي يجب أن نستشعرها، حتى لا يتحول النصر إلى غرور.
-------------------------