هذه شهادة على التنظيم السري حرّرها كاتب شيوعي مصري اسمه "عبده جبير "، كان يعمل في بعض المؤسسات الصحفية المصرية منها دار الهلال، وقد نشر شهادته في جريدة شيوعية حكومية تصدر عن دار "أخبار اليوم"؛ اسمها "أخبار الأدب" في عددها رقم 939 الصادر بتاريخ 24/7/2011م.

 

وأجدني لطول الشهادة مضطرًا لاختصارها حتى تتناسب مع المساحة المتاحة، وأترك للقارئ فرصة الحكم على الشهادة وربطها بما يجري في بلادنا من محاولات جهنمية لوأد الثورة وإطفاء جذوتها.

 

يقول الكاتب في البداية:

"أود في البداية أن أشير بسرعة إلى أن ما أقصده بـ"جهاز الأمن الوطني" ليس الجهاز الجديد الذي شكَّله وزير الداخلية اللواء منصور العيسوي (ابن خال والدي) مؤخرًا، من إدارات جهاز أمن الدولة السابق.. الجهاز الذي أقصد هنا هو جهاز آخر شكله الرئيس المخلوع مبارك حوالي عام 1986م تحت قيادته المباشرة، ويبدو أن مكتب معلومات الرئيس كان له دور في ترشيح الأسماء التي قام الجهاز بتجنيدها للتعاون معه كل في موقعه من مؤسسات الدولة.

 

لقد أشار الأستاذ محمد حسنين هيكل في حديثه مع الأستاذ فهمي هويدي (الشروق: 6/2/2011) إلى ما أسماه بـ"التشكيل السري" الذي قام بإطلاق جحافل المعتدين على المظاهرات السلمية في اليوم المشهود الذي عُرف بيوم موقعة الجمل، وأبدى مقاومة مشهودة للإبقاء على نظام مبارك، عبر ما وصفه مصطفى الفقي في حينه بإشاعة الفوضى للتمكن من إعادة السيطرة علي الأوضاع، ووصف الفقي هذا بالخطة الحمقاء، ولديّ ما يشبه اليقين، وإن لم تكن لديّ شواهد محسوسة، بأن الدكتور مصطفى الفقي يعلم عن هذا التنظيم السري؛ لأنه كان في ذلك الوقت مديرًا لمكتب الرئيس لشئون المعلومات.

 

ما يهم أنني، هنا، أدلي بشهادة عشتها وأشهدت، في حينه، ثلاثة أشخاص، أحدهم كنت أعمل معه في مجلة المصور (وهو الأستاذ مكرم محمد أحمد)، وهو حي يرزق أطال الله في عمره، والثاني هو الصديق والكاتب الوطني الكبير مصطفى نبيل الذي كان في حينه رئيسًا لتحرير مجلة (الهلال)، وكنت أتعاون معه بباب ثقافي شهري (توفي العام الماضي 2011)، وثالثهم هو الراحل الكبير أحمد بهاء الدين (رحمه الله) لما كان له من دور في أن أعمل في دار الهلال، ولنرجئ قليلاً بداية القصة لأوضح ما أنا مقدم عليه.

 

وتشير الأدلة مما جرى ويجري، أن هذا التشكيل السري هو الذي قاد عملية واسعة لإشاعة الفوضى (لوصم الثورة السلمية بالتخريب) عبر إصدار تعليمات من رئيسه المباشر للمرتبطين به في الأجهزة التابعة لوزارة الداخلية، وعلى رأسهم وزير الداخلية السابق لأنه لا يمكن أن يكون العادلي على غير صلة بهذا التنظيم السري المسمي "جهاز الأمن الوطني"، لصرف قوى الأمن (البوليس)، وفتح السجون عبر عملية استخبارية نفَّذها عملاء هذا الجهاز والمتعاونين معه، بطريقة تدفع الشبهات بعيدًا عنه وتلصقها "بالبدو قطاع الطرق" ومن السهل ارتداء لباسهم المميز ليظهر في الصور، وهناك سوابق لتمرد بدو سيناء الشرفاء على المظالم التي لحقت بهم منذ سنين، فهنا تاريخ سابق قد يؤكد دعوي الجهاز المذكور.

 

- ما يجعلني أصف هذا الجهاز بالحديدي هو ما أكده الضابط الذي حاول تجنيدي للعمل مع هذا الجهاز، بأنه ذو طبيعة سرية حديدية (بنص لفظه) حتى إنني وبعد أن غادر منزلي رحت أتساءل ما إذا كان الجنون قد حدا بنظام مبارك، وهو لا يزال في سنواته الأولى إلى التفكير في إنشاء جهاز حديدي يُذكرنا بالجهاز الحديدي سيئ السمعة الذي كان قد كونه الملك فاروق.

 

- أعتقد أن هذا الجهاز هو الذي أدار وخطط للمظاهرات المؤيدة لمبارك، سواء تلك التي قادت حملة موقعة الجمل الشهيرة، أو مظاهرات يوم جمعة الاحتفال بنجاح الثورة، التي انطلت على البعض باعتبار أن هناك مَن لم يزل على ولائه للرئيس المخلوع.

 

وحتى لا يسرح التفكير بالبعض بأنني أريد أن أبرئ أجهزة وزارة الداخلية السابقة، فإنني أعتقد أن التنسيق بينهما كان كاملاً.

 

- هو الذي دفع بأمثال عبد اللطيف المناوي وأسامة سرايا وعبد الله كمال (وغيرهم كثيرون في الأعلام والمؤسسات الأخرى) للتشبث بمقاعدهم لآخر لحظة حتى ولو أدَّى بهم الأمر لأن يلبسوا لباس (المضلّلين المجبورين الذين هم بلا ذنب) أو المصححين لمواقفهم، كل بأسلوبه، حتى تظل الثورة المضادة حية عبرهم.

 

- هو الذي يمسك بالسكين على رقبة الكثيرين ممن نجح في تجنيدهم، في كل الوزارات والهيئات والمواقع القيادية في كل مجالات العمل، وأظن أنه لا يزال يمسك بكثيرٍ من الخيوط في محاولة (يائسة وغبية) إما للانقلاب على الثورة أو لتعطيل مسيرتها، وقد فهمت من الضابط الذي حاول تجنيدي (وهو ما سأسرده لاحقًا) بأن التنظيم موجود في كل المواقع، وحتى داخل أحزاب وقوى المعارضة من الإخوان إلى أقصى اليسار.!

 

لكن كل ما سبق هو أدلة استنتاجيه لما عرفته من الضابط الذي سآتي على ذكره حالاً، وهو الذي أوضح لي في المقابلة التي جرت بيننا في منزلي بالسيدة زينب (عام 1986) أن دور هذا الجهاز هو "الالتفاف حول القيادة الوطنية (!!!) بكوادر جديدة (ذات مصداقية) لتأهيلها لإمساك مواقع القيادة في كل المجالات خاصة الإعلامية، وللدفاع ساعة اللزوم عن هذه القيادة الوطنية (الرئيس مبارك).

 

أعود لبداية القصة..

ذات مساء تلقيت مكالمة من الصديق الكاتب الصحفي عمرو عبد السميع يدعوني فيها للحضور إلى مكتب مجلة "الشموع" بالمعادي لاستطلاع رأيي في إمكانية أن أتعاون مع مجلة جديدة سيرأس تحريرها الأستاذ أحمد بهاء الدين، وقال إن الأستاذ بهاء هو الذي طلب الاتصال بي لضمي لفريق عمل هذه المجلة.

 

ذهبت إلى موعدي مع عمرو عبد السميع في المعادي؛ حيث مقر المجلة الوليدة، ثم دخل بي على الأستاذ، وكانت فرحة شديدة ليس فقط لأنني سأعمل مع بهاء الدين بل وأيضًا لأن مكاني في فريق العمل كان محجوزًا منذ البداية.

 

لم يطل العمر بالمجلة الشهرية أكثر من ثلاثة أعداد، وذات مساء فوجئتُ بالأستاذ بهاء يطلب مني أن أجمع كل الأوراق التحريرية الخاصة بالمجلة "لأننا سنغادر"، لم يكن هناك سواي والأستاذ وسائقه فحملنا معًا عدة كراتين من مواد التحرير وغادرنا.

 

في الطريق شرح لي أسباب قراره بالتوقف عن إصدار المجلة، لكنه أكد أنه لن يكون لديه مانع أن استمر مع صاحبتها لو أردت، خاصةً أنه عرف أنني ليس لديَّ عمل منتظم، لكنني رفضتُ بالتأكيد، فإذا به يُفاجئني وكأنه دبَّر الأمر في ذهنه مسبقًا: "عمومًا أعتقد أن مكانك الطبيعي هو مجلة الهلال".

 

وما إن عدت إلى منزلي حتى فوجئت به يتصل:

- خلاص، سيتصل بك مكرم محمد أحمد لتبدأ العمل في "الهلال".

في اليوم التالي اتصلت مديرة مكتب مكرم الذي استقبلني ببشاشة، و فوجئت بأنه يريدني معه في دسك "المصور"، وأنه ليس لديه مانع أن أتعاون أيضًا مع مجلة "الهلال".د
وهكذا بدأت العمل في المصور، وبعد أيام طلبت الإدارة مني التقدم بأوراقي، وهكذا فعلت، لكن أوراقي تأخرت شهورًا طويلة، وفسَّر لي بعض الزملاء بأن هذا التأخير ربما يكون لأسباب أمنية، حيث سبق اعتقالي عام 1979 في القضية رقم 632 / 79 حصر أمن دولة، مع قيادات الحزب الشيوعي المصري.

 

وذات مساء ظهر الضابط المرسال في غرفة الضيوف في شقتي المتواضعة في حارة جريدة السياسة الملاصق لمبني دار الهلال، بالسيدة زينب!

 

لقد جاء الرجل ودخل بيتي بطريقة غريبة؛ إن دلت علي شيء فهي تؤكد أن منزلي وتليفوني كانا مراقبين، إذ كيف له أن يعرف بأنني موجود في البيت في هذا الوقت بالذات وأن لدي موعدًا مع صديق أنتظره؟

 

كان الموعد مع الصديق الصحفي فكري سعيد، أحد صحفيي مجلة الإذاعة السابقين، الذي كان يقوم بتأسيس دار نشر في الإسكندرية، وطلب مني أن أطلب من الفنان الكبير الراحل محيي الدين اللباد (باعتباري صديقه) تصميم لوجو للدار الوليدة، وتحمَّس اللباد للفكرة وصمم اللوجو متطوعًا، واتصلت بفكري فجاء من الإسكندرية على عجلٍ ليأخذ مني اللوجو، وفي الموعد رن جرس الباب ففتحت فإذا بفكري وبصحبته شاب أنيق بشكلٍ لافت، خلت أنا أنه صديقه، لكن فكري الذي لا يحب أن يبيت في القاهرة، خطف اللوجو الجميل من يدي وهم راحلاً، لكنني فوجئت بأن الآخر ظلَّ جالسًا، خرجتُ خلف فكري أسأله عن هذا الشخص، فقال إنه لا يعرفه وإنه فوجئ به يطلع السلالم خلفه مباشرةً، وعند الباب سأله ما إذا كانت هذه الشقة هي شقتي، فأكد له فكري ذلك، فقال إنه أيضًا قادم إليّ.

 

وما إن عدت حتى وقف الرجل وأخرج من جيب سرواله الخلفي حافظته وأخرج منها كارنيها ومده إلي، وأنا الآن، وبعد مرور كل هذه السنوات نسيت اسم الرجل، لكن ما لا أنساه أن الرجل كان برتبة عقيد في "جهاز الأمن الوطني".

 

سألته: خير، حضرتك من أمن الدولة؟

قال: لا، يا عم أنا من جهاز آخر، اسمه الأمن الوطني، وهو تابع للرئاسة مباشرةً، متبرئًا من أمن الدولة؛ "لأنهم تسببوا في أن تسوء العلاقة بين النظام والمثقفين الشرفاء أمثالي" على حدِّ زعمه.

ونكمل الشهادة في المقال القادم إن شاء الله تعالى.