إصلاح وتطوير التعليم العالي (الجامعي وغير الجامعي)
مقدمة:
مشكلة التعليم في مصر مشكلة كبرى وقضية خطيرة بين قضايا المجتمع ولا تنال الحد الأدنى من الاهتمام سواء من الدولة أو الحكومة أو مؤسسات المجتمع المدني أو من أولياء الأمور أو من المثقفين أو حتى مدعي الثقافة، قضية مهمشة والاهتمام بها ورقي وشكلي ولا يقترب من الموضوع.
في الجزء الأول من هذه الدراسة تم الحديث بإيجازٍ عن إصلاح وتطوير التعليم قبل العالي (رياض الأطفال- تعليم أساسي (ابتدائي وإعدادي)- تعليم ثانوي- تعليم فني- تعليم أزهري) من خلال السياسات العامة المقترحة.
وفي هذا الجزء الثاني نتحدث عن التعليم العالي (الجامعي وغير الجامعي)، والذي يبلغ عدد المنخرطين فيه أكثر من 2.8 مليون طالب.
وسنتبع نفس المنهج السابق؛ حيث نبدأ بدراسة الواقع ثم اقتراح الرؤية الإصلاحية كسياسات عامة.
دراسة موجزة للواقع:
تبلغ مساحة مصر أكثر من مليون كيلو متر مربع وعدد سكانها قرابة 81.5 مليون نسمة.
عدد الجامعات الحكومية تسعة عشر (18+ جامعة الأزهر) والجامعات الخاصة قرابة 25:
منها 10 جامعات أجنبية، 15 جامعة وأكاديمية محلية.
والتعليم العالي غير الجامعي (التعليم العالي الفني) يتكون من كليات تكنولوجية (ما يزيد على 12 كلية) وما يتبعها من معاهد فنية (تضم أكثر من 50 معهدًا) وبها حوالي 105000 طالب وطالبة.
عدد الطلاب المقيدين في مؤسسات التعليم العالي في مصر قرابة 2.8 مليون طالب وطالبة (حكومي وخاص، جامعي وغير جامعي) يمثلون تقريبًا 28% من جملة السكان في سن التعليم الأساسي (18- 23)، وتصل هذه النسبة إلى 50% فأكثر في كثيرٍ من الدول، وخصوصًا التي تهتم بالتعليم، من هذا العدد 2.2 مليون طالب حكومي (حوالي 80%) و0.6 مليون طالب خاص (قرابة 20%).
والجامعات الحكومية شاملة الأزهر تستحوذ على أكثر من 85% من الإنفاق العام على التعليم العالي، والتي تصل إلى 1.2% من إجمالي الناتج المحلي بقيمة قرابة 12 مليار جنيه، والغريب أن نسبة الإنفاق على التعليم (العالي وقبل العالي) تصل إلى 3.7% من الناتج المحلي الإجمالي، في حين كانت 6.48 في عام 2001/2002. وفي كثير من الدول، وخصوصًا التي تهتم بالتعليم تصل هذه النسبة إلى 7.5– 8 % مع القابلية للزيادة سنويًّا.
ويبلغ عدد أعضاء هيئة التدريس ومعاونيهم في مؤسسات التعليم العالي قرابة 100000 في عام 2011 منهم قرابة 75000 في الجامعات الحكومية، ومن هؤلاء 10000 في جامعة الأزهر.
والمقيدون في الدراسات العليا قرابة 175000 – 220000 (تفاوت في المصادر)، وبالنسبة لتوزيع الطلاب المقيدين في مؤسسات التعليم العالي يلاحظ أن قرابة 72% في تخصصات نظرية و28% تخصصات عملية، وأن أعلى نسبة بطالة توجد بين المؤهلات العليا، وهذا متوقع لعدم الربط بين التعليم وخطط الدولة للتنمية.
والمقصود بمؤسسات التعليم العالي هي: جامعات حكومية، تعليم مفتوح، جامعة الأزهر، جامعات خاصة، الجامعة الأمريكية، الأكاديميات، المعاهد العليا الخاصة، المعاهد المتوسطة الخاصة، المعاهد الخاصة المتنوعة، الكليات التكنولوجية والمعاهد الفنية الحكومية، والمعاهد المتوسطة الحكومية.
والمشكلة في الجامعات الحكومية بما فيها جامعة الأزهر أنها متضخمة ومترهلة إذ يبلغ عدد الطلاب في جامعة القاهرة 189000، الإسكندرية 174000، عين شمس 182000، المنصورة 126000، أسيوط 72000، الأزهر 400000، (هذه البيانات من موقع وزارة التعليم العالي، وموقع بوابة الإحصاءات القومية للتعليم العالي، وموقع البنك الدولي).
وهناك قوانين وتشريعات وقرارات تحكم مؤسسات التعليم العالي، فالجامعات يحكمها القانون رقم (49) لسنة 1972 في شأن تنظيم الجامعات، وقد أُدخلت عليه العديد من التعديلات بعضها من أهواء بعض الوزراء، وحاليًّا بعد ثورة 25 يناير 2011، يعاد النظر جذريًّا في هذا القانون.
وبالنسبة للكليات والمعاهد العالية التابعة لوزارة التعليم العالي: فينظمها القانون رقم (49) لسنة 1963، المعاهد العالية الخاصة ينظمها القانون رقم (52) لسنة 1970م، والجامعات الخاصة ينظمها القانون رقم (101) لسنة 1992م، والكليات التكنولوجية ينظمها القرار الوزاري رقم(1088) لسنة 1987 للمعاهد الفنية المتوسطة، والقرار الوزاري رقم (528) لسنة 2003 للكليات التكنولوجية.
وهذه البيانات أظهرت بعض مشكلات وسلبيات التعليم العالي في مصر مثل:
1- قلة عدد الجامعات بالنسبة للسكان مع تضخم أعداد الطلاب في كثير من الجامعات.
2- المنصرف على التعليم العالي غير الجامعي حوالي ¼ المنصرف على التعليم الجامعي، وهذا خطأ في حل المعادلة.
3- الطلاب المقيدون في التخصصات العملية (علوم تربوية، علوم أساسية، علوم طبية، هندسة، زراعية وبيطرية) أقل من 30% من عدد الطلاب، والمقيدون في التخصصات النظرية (علوم ثقافية وأدبية، الفنون، العلوم الاجتماعية) أكثر من 70% وليس هذا ما يتطلبه قيام النهضة وتقدم الأمم.
4- أن المنصرف على التعليم كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي تساوي النصف أو أقل من نصف مثيلتها في الدول التي تهتم بالتعليم.
5- تدني نسبة المقيدين في التعليم العالي من الشريحة السنية (18- 23) عن المستوى العالمي.
6- انخفاض المنصرف على التعليم كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي عما كانت عليه منذ عشرة أعوام مضت.
ومن مشكلات التعليم العالي أيضًا:
7- تردي أحوال التعليم قبل العالي والمغذي للتعليم العالي، وهذه أخطر المشكلات.
8- نظام القبول بالجامعات والذي يعتمد بطريقة ميكانيكية على المجموع فقط.
9- جمود اللوائح الداخلية للكليات وعدم ارتباط الخطط الدراسية إلى حد ما بالموقع الجغرافي للجامعة (البيئة المحيطة).
10- حاجة الجامعات إلى قانون جديد لتنظيم الجامعات بثقافة وأبعاد مختلفة.
11- ترهل الجامعات في ظلِّ اكتظاظها بأعداد كبيرة من الطلاب.
12- آثار الاستبداد والظلم والفساد في العقود الستة الماضية على أداء وإعداد وتكوين الأجيال من الطلاب.
13- ترهل الإدارات الجامعية والتعيين دون الكفاءة والتدخل الأمني سابقًا في الإدارة، والذي سيبقى إثره وثقافته لفترة.
نضيف إلى هذه المشكلات أمور أخرى مثل:
14- القصور في التمويل وتقاعس رجال الأعمال عن واجبهم تجاه مؤسسات التعليم العالي.
15- عدم الربط بين التعليم وخطط الدولة للتنمية.
16- عدم وجود مراكز تميز مختلفة في الجامعات.
17- عدم الربط بين الجامعة وبين مراكز الإنتاج والخدمات والمرافق.
18- تقاعس الجامعات، والتي تمثل ضمير الأمة، عن قيادة المجتمع في الإصلاح والتغيير.
السياسات العامة للإصلاح والتطوير:
إن إصلاح وتطوير التعليم قضية متكاملة لا تقبل الترقيع والتجزئة ولا تقبل العشوائية، وحلها يتطلب حشد الطاقات والإمكانات من جميع الأطراف، وخصوصًا في حالة التعليم في مصر، والذي أصابته انتكاسات كثيرة في العقود الست التي مضت، وعلى الأخص في العقود الثلاثة الأخيرة حتى أصبح مثلاً في الضعف والتردي والفساد والتخلف؛ ولذلك فإن الإصلاح والتطوير يجب أن يكونا بناءً على إستراتيجية واضحة الأهداف والوسائل لتنفيذ هذه السياسات العامة، وسيتم استعراض هذه السياسات العامة على هيئة حزم من السياسات كما يلي:
أولاً: تحسين مداخلات التعليم العالي:
1- إصلاح وتطوير التعليم قبل العالي (رياض الأطفال، تعليم أساسي بحلقتيه الابتدائي والإعدادي، والثانوي، عام وفني وأزهري)؛ لأن هذه المراحل من التعليم تقوم على إعداد وتكوين التلاميذ وبناء القدرات الروحية والعقلية والبدنية، وأساليب تحصيل المعرفة والإضافة إليها، وغير ذلك من الصفات التي تقوم هذه المراحل على تكوينها وغرسها في التلاميذ والطلاب. وهذه الخطوة هي المرحلة الأولى والأساسية في إصلاح التعليم العالي.
2- تطوير اللوائح الداخلية والخطط الدراسية بما يناسب العصر ويدفع إلى النهضة والتقدم مع الاهتمام بالبيئة التي تحتضن الجامعة.
3- الارتقاء بأعضاء هيئة التدريس ومعاونيهم من خلال التأهيل وتنمية القدرات.
4- وضع خطة قومية لتعريب العلوم والتعليم وإنشاء مكتبة عربية في جميع التخصصات من خلال الترجمة إلى العربية والتأليف بالعربية.
5- توفير الإمكانات والمعامل والورش والقاعات، والاهتمام بمعامل الحاسب الآلي وتكنولوجيا المعلومات.
6- الاهتمام بالأنشطة المتنوعة داخل الجامعة: اجتماعية، ثقافية، رياضية، رحلات، مخيمات.. وغير ذلك، لبناء الشخصية القوية الأمينة المتوازنة في مقوماتها مع بناء علاقة وقنوات مع مؤسسات المجتمع أثناء سنوات الدرجة الجامعية الأولى.
7- رعاية ذوي الاحتياجات الخاصة (المتفوقين والمعوقين).
8- وضع ضوابط قيمية وأصول أخلاقية للحرم الجامعي لتحديد العلاقة بين مختلف الأطراف.
ثانيًا: مؤسسة الجامعة:
1- الاستقلال المالي والإداري والأكاديمي للجامعة وبما يحتاج إلى جهود لسد فجوة التمويل، بالإضافة إلى استمرار دعم الدولة للجامعات.
2- تمكين الجامعة من القيام بمهامها الأربعة وهي: التعليم، والتدريب، والتأهيل للدراسات العليا والبحوث، وخدمة المجتمع وحل مشكلات البيئة، من خلال ربط البحث العلمي بقضايا المجتمع ومراكز الإنتاج والخدمات والمرافق، وقيادة المجتمع في الإصلاح والتغيير؛ وذلك من خلال التشريعات اللازمة وخصوصًا قانون تنظيم الجامعات.
3- إنشاء الجامعات الأهلية كمؤسسات لا تبغي الربح وبما تظهر إيجابية رجال الأعمال وأصحاب المال في المجتمع.
4- تفكيك الجامعات ذات الأعداد الكبيرة أو أن يكون هناك على الأقل جامعة لكل مليون مواطن/(جامعات كثيرة بأعداد قليلة) بما يحقق "الإتاحة" و"الجودة"، وبما يرفع نسبة الملتحقين بالتعليم العالي (وخصوصًا الجامعي) إلى أكثر من 50% في عشر سنوات؛ وذلك من الشريحة السنية (18-23).
5- انتخاب القيادات الجامعية بما يجمع بين الإخلاص والكفاءة.
6- إنشاء جامعات تقنية ذات مستوى رفيع ينبثق منها مراكز تميز في المجالات المختلفة.
7- تطوير برامج الدراسات العليا وإعداد وتأهيل الباحثين.
8- أن تكون مواقع إنشاء الجامعات الجديدة خارج المناطق السكنية وبالتحديد في مناطق صحراوية محيطة حتى تكون نواةً لمجتمع عمراني تمتد إليه المرافق والخدمات، وفي هذه المناطق تقام مصانع وتصبح مراكز للتنمية مع الاستفادة بتشغيل أعداد كبيرة من جيش العاطلين، وعندنا مناطق لها أولوية الترشيح مثل سيناء وبعض مناطق الصحراء الغربية والصحراء الشرقية، ومطلوب وضع مخطط جغرافي لهذه الجامعات للعشرين سنة القادمة؛ حيث تحدد مواقع وعدد الجامعات بما يبلغ 200 جامعة في نهاية الفترة الزمنية.
9- إعادة النظر في ضوابط التعليم العالي الخاص: المحلي والأجنبي.
ثالثًا: العلاقة بالدولة والمجتمع:
1- الربط بين التعليم وخطط الدولة للتنمية ومتطلبات سوق العمل.
2- ترشيد مجانية التعليم بما يحقق عدم إهدار المال العام.
3- الوصول بتمويل التعليم العالي إلى المعدل العالمي وهو قرابة 2.8% من الناتج المحلي الإجمالي.
4- إنشاء مجلس أعلى للتعليم يتفرع منه مجلس أعلى للتعليم قبل العالي ومجلس أعلى للتعليم العالي، لوضع السياسات والإستراتيجيات والضوابط وما يليها من خطط وبرامج.
5- إصدار التشريعات اللازمة لجعل إصلاح وتطوير التعليم قضية أولوية قومية تشارك وتتعاون فيها كل الأطراف: الدولة، والحكومة بمؤسساتها وخصوصًا مؤسسات الثقافة والإعلام ومؤسسات المجتمع المدني وأولياء الأمور، وبطبيعة الحال وزارتا التعليم العالي والتربية والتعليم في المقدمة مع التنسيق والتعاون مع الهيئة العامة لضمان جودة التعليم والاعتماد، وإن إصلاح وتطوير التعليم عملية مستمرة.
6- زيادة المرونة في التعليم العالي من خلال التوسع في التعليم عن بعد، التعليم المفتوح بضوابطه، التعليم الإلكتروني- مع العلم بوجود تداخل ومساحات مشتركة بين هذه المصطلحات- كذلك العمل على التوسع في التعليم المستمر.
7- أحد جوانب إصلاح وتطوير التعليم الجامعي يتمثل في إصدار قانون جديد لتنظيم الجامعات ليحقق كثيرًا من السياسات العامة الإصلاحية المذكورة.
8- لا بد من نظرة جذرية للتعليم العالي غير الجامعي؛ حيث ما أصابه من إهمال وضعف إمكانات وقصور شديد في التمويل وعدم فهم لدوره في المجتمع ومؤسسات الدولة، يفوق بكثير ما أصاب التعليم الجامعي.
9- أن يكون لكل جامعة مركز أو مراكز تميز في المجالات المختلفة على أن يكون هناك تنافس بين الجامعات في خدمة المجتمع وحل مشكلاته وتطوير الخدمات والمرافق.
10- السياسات العامة عالية يتم تحويلها إلى إستراتيجيات ينبثق منها خطط وبرامج تنفيذية، ولا تخضع لتغير الحكومة أو الوزير، ويتم ذلك من خلال المجلس الأعلى للتعليم العالي ويكون وزير التعليم العالي أحد أعضائه.