إن المرحلة التي نعيشها اليوم ما بعد ثورة 25 يناير والتي أثمرت زوال نظام نرى أن أعظم ما جناه على الشعب المصري هو تدمير الثروة البشرية التي هي أعظم ما تمتلكه مصر، أعظم من الأهرامات ومن قناة السويس ومن الثروة الطبيعية من غاز وبترول وغيرها؛ لأن كل هذا وببساطه نتاج تفكير الإنسان المصري وجهده.
وقد علمتنا الحياة أنه كم من آباء تركوا الملايين من الأموال ولكنهم تركوا أبناء لم يسلحوهم بسلاح العلم والمعرفة، فأنفقوا هذه الأموال يمنة ويسرة، فكانت هباءً منثورًا، وأصبحوا فقراء عالة يتكفَّفون الناس، وكم من رجال لم يتركوا لأبنائهم أموالاً وكانوا لا يمتلكون إلا قوت يومهم هم وأبناؤهم ولكنهم سلحوا أبناءهم بالعلم وتقوى الله، فأصبحوا أغنياء يمتلكون من الدنيا الكثير والكثير، وما يسري على مستوى الأفراد يسري على مستوى الأمم والشعوب، وأذكر هنا قول على بن أبي طالب رضي الله عنه: "العلم خير من المال لأن العلم يحرسك وأنت تحرس المال، والعلم حاكم والمال محكوم عليه، والعلم ينمو بالإنفاق والمال عكس ذلك".
إن أرض الجنة يرثها الصالحون لها بالعمل، وأرض الدنيا يرثها الصالحون بالعمل، والعمل يتقدمه العلم، وصدق الله العظيم حيث قال: (يَرْفَعْ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) (المجادلة:11)، والعلم الذي نفهمه من الآية ليس علوم الدين وفقط، ولكنه علوم الدنيا والدين معًا.
إن طالب العلم كالمجاهد في سبيل الله لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع" (صححه الألباني في صحيح الجامع)، وأفهم هنا أيضًا العلم بمعناه الشامل؛ يعني الطالبة التي تخرج من بيتها لتذهب إلى مدرسة اللوزي أو تذهب إلى الجامعة لتلقي العلم فهي في سبيل الله كالمجاهدة حتى تعود إلى بيتها ومن باب أولى من خرج ليعلم هذه الطالبة من معلمات وجهاز إداري، فهم كذلك، وقد أعجبني وأثارني قول القائل: "إذا علمت ولدًا فقد علمت فردًا وإذا علمت بنتًا فقد علمت أمة".
إنني هنا أتذكر قول الشيخ الغزالي رحمه الله: "لو قيل لكل شيء في شوارع المسلمين والعرب قف مكانك وعد إلى موطنك لمشى المسلمون حفاة عراة".
إن الثورة الحقيقية أن نثور على أنفسنا، فلا يليق أن نأكل ونلبس ونركب ونشرب من صنع غيرنا، وهذا لن يكون إلا بثورة علمية.
إننا لا بد أن ندرك أن إرادتنا لن تتحرر وقرارنا لن يكون من رءوسنا إلا إذا كان طعامنا وشرابنا من فئوسنا، وهذا لن يكون إلا بثورة علمية.
أليس من المؤسف أن يكون معهد طب الأمراض للمناطق الحارة في لندن لا في الرياض أو القاهرة أو بغداد؟!!!.
أليس من المؤسف ألا يكون من بين أفضل 500 جامعة في العالم على الأقل اثنتان أو ثلاث من الجامعات المصرية، وخاصةً أن جامعات الكيان الصهيوني نالت مراكز متقدمة من بين هذه الجامعات؟!!!.
أليس من المؤسف أن أمة "اقرأ" لا تقرأ ويوجد فيها أكبر نسبة أمية في العالم؟!!!.
إن المعرفة والعلم هي الفريضة الغائبة في مصر الآن، ومن أراد العزة لمصر اليوم فليسهم- مخلصًا ومجتهدًا- في إقامة مجتمع المعرفة والعلم في ربوع الوطن العربي كافة.
إن الذين يتقدمون اليوم لقيادة مصر في هذه المرحلة لا بد أن يدركوا وأن يعوا أن نجاتنا وخلاصنا وتقدمنا وحضارتنا وحل جميع مشكلاتنا لن يكون إلا بثورة علمية، وأن يكون التعليم والبحث العلمي قضية أمن قومي.
فلنبدأ بإعادة النظر في ميزانية التعليم والبحث العلمي كأولى الخطوات، وإصلاح أجور العاملين القائمين على العملية التعليمية من إداريين ومعلمين وباحثين واجب من واجبات المرحلة.
وإصلاح المناهج التعليمية وطرق ووسائل التدريس والعودة الحقيقية للعلم التجريبي؛ بحيث نوجد الطالب الباحث المفكر المبدع، ولنطلّق طريقة التلقين والحفظ طلقة بائنة دون رجعة، ثم إنشاء هيئة قومية لاكتشاف المواهب وتنميتها في كل المراحل التعليمية، وكذلك الربط بين حاجة السوق والمجتمع وبين أعداد المقبولين بالكليات المختلفة، والاهتمام الحقيقي بالتعليم الفني بحيث يكون تعليمًا فنيًّا على وجه الحقيقي؛ بحيث يَخرج فنيون مهرة، ويجدر بنا دراسة التجربة الصينية والكورية والماليزية في هذا الشأن، ودراسة الثورة العلمية التركية ودراسة إنشاء مدارس داخلية ولندرس النموذج التركي، مع العلم أن القائد الفذ أردوغان الذي قاد ثورة علمية واقتصادية في تركيا خريج إحدى هذه المدارس الداخلية، وإعادة النظر في هيئة الأبنية التعليمية ودورها ومستواها الفني ومدى استيعاب هياكلها للنماذج العالمية للمدارس والمعاهد والجامعات، ووضع خطه داخلية وخارجية لتبادل الخبرات الحقيقية للمعلمين والإداريين، والاهتمام بالتربية الأخلاقية والسلوكية والتربية الدينية، ولا بد أن نوقن أن الانهيار الأخلاقي والسلوكي وانحسار القيم الحضارية للمجتمع مثل قيمة احترام المعلم وقيم الأسرة من تقدير للآباء والأمهات؛ منشؤه هذه السياسة اللعينة التي انتهجها النظام السابق من تجفيف للمنابع، ولا أنسى ما صرح به الوزير حسين كامل بهاء الدين عام 1993 بقوله: "إننا وضعنا خطة تعليمية وسياسة لتجفيف المنابع ستنتج عام 2005 جيلاً لا يفرق بين جنس وجنس".
ولا ننسى الدور الخطير للإعلام في المساهمة في هذه الثورة العلمية ونشر قيمة حب العلم والتعلم وتقديم نماذج قدوات من المتفوقين والمتميزين والعلماء وليكفَّ الإعلام عن تقديم قدوات لبناتنا وأبنائنا من اللاعبين والفنانين وكذلك إنتاج المسلسلات والأفلام التي تسهم وبشكل بناء في هذه الثورة ونشر هذه القيم، ولعلي أذكر أن عملاً فنيًّا واحدًا وهو (مدرسة المشاغبين) أسهم وبشكل كبير في هدم قيمة العلم واحترام المعلم، وكذلك عمل فني آخر (العيال كبرت) أسهم وبشكل كبير في هدم قيم الأسرة في المجتمع، فليساهم الإعلام في هذه المرحلة في الوحدة لا الفرقة وفي البناء لا الهدم.
أيضًا.. الدور الخطير لوزارة الثقافة والمجلس الأعلى للثقافة في نشر الثقافة والوعي الحقيقيين ونشر قيمة العلم والتعلم واحترام المعلم من خلال الأدب والشعر والمسرح.
لا بد أن يسهم رجال الأعمال في هذه الثورة العلمية بالاستثمار الهادف في مجال التعليم، وكذلك دعم المؤسسات العلمية والبحثية، وعلى المؤسسات البحثية أن تتواصل مع الشركات والمصانع؛ لتكون الدراسات العلمية والأبحاث قائمةً على حل مشكلات هذه المصانع والشركات وتطوير منتجاتها.
إلى إخواني المعلمين والمعلمات.. يا من تمتهنون أقدس وأطهر وأشرف مهنة عرفتها الإنسانية، قد تشتكون من الإرهاق والضغوط المحيطة، ولكن المعلم ينسى كل ما يعانيه عندما يرى طلابه قد تفوقوا في دراستهم، أو عندما يرى التلميذ ضعيف التحصيل وقد تحسن أداؤه، وهذه متعة، أو يرى من علمه رئيسًا ووزيرًا ومحافظًا وطبيبًا ومعلمًا وضابطًا ومهندسًا ومحاميًا ناجحًا وحرفيًّا ماهرًا.
إلى أبنائي الطلاب.. قبل الثورة كنا نعيش في مصر كالمستأجرين في أي لحظة يطردك المؤجر، ولكننا بعد الثورة أصبحنا ملاكًا حقيقيين لبلدنا، ستسود قيمة العدل؛ فمن الممكن أن تكون رئيسًا أو محافظًا أو وزيرًا أو رئيسًا للجامعة أو أستاذًا بها أو معلمًا أو طبيبًا أو مهندسًا أو محاميًا ناجحًا أو فنيًّا ماهرًا، ولكن ذلك لن يكون إلا بالجد والاجتهاد والسهر والتعب وتحصيل العلم، ولنتذكر "من جد وجد ومن زرع حصد".
أسأل الله أن يجعلنا من الزارعين للخير الحاصدين له، كما أسأله أن يرعى مصرنا الحبيبة، شعبًا وأرضًا، بعنايته وتوفيقه.