لم أجد تعبيرًا في حالتنا هذه يعبر عما دار في ذهني إلا إجابة سمعتها أيام الانتخابات عن سؤال يتداول بين الناس عن السر في انحسار الانفلات الأمني والبلطجة أيام الانتخابات، فكان الرد من بعض الظرفاء "بضغطة زر".
وبغض النظر عمن يملك الزر، ومن يضغط عليه ويعرف مكانه، كان الرد جميلاً "ضغطة زر" ضغطة زر وتتوقف الدماء النازفة!!! ضغطة زر ويتوقف القتل!!!! ضغطة زر وتتوقف السرقات!!! ضغطة زر ويتوقف الانفلات الأمني لفترة ثم يعود من جديد؛ ليهدد المواطن البسيط الذي يقف حائرًا عاجزًا عن تحديد مكان الزر وصاحبه ومن يضغط عليه، ولم لا تُلغى دائرته الكهربية؟.
إنه يستطيع فعل ذلك في وقت قياسي ولا يدري المسكين أن من يملك الزر أناني غير وطني مثله، يحافظ على المفاتيح التي يملكها في الدولة، والتي من خلالها يثير الشارع ويهدئه تبعًا لمصالحه ومصالح أسياده القابعين على حاملة الطائرات في البحر المتوسط.
كنت لسذاجتي أعتقد أن سيناريو ميدان التحرير وأحمد محمود ومجلس الوزراء سيتكرر من "الثوار" بمجرد رفع الحظر عن التسعة عشر أمريكيًّا المتهمين في قضية التمويل الأجنبي، وأن ميدان التحرير سيعج بالثوار والاحتجاجات، وأن صلاة الجمعة ستكون مناسبة جيدة لهم للاحتشاد للثأر "لكرامة مصر" التي تمرغ أنف قضائها الشامخ رغمًا عنه في وحل السياسة الأمريكية المتراجعة إلى خط الدفاع الأول بعد دفع الفدية، وإبرام الصفقة مع العهد الجديد!!! ولكن لم تحدث حتى وقفة احتجاجية ولو بسيطة! ربما كان السبب حالة الطقس أو ربما كانت "ضغطة الزر" قوية!!!
الأراجوز
كنت في مقال سابق نشر بعنوان إدارة الفوضى على مسرح الثورة وبعنوان "الأراجوز" على "إخوان أون لاين" قد حاولت إزالة الغبار عن اللعبة التي تجري بمعية الأراجوز الكبير العتيد الذي فرخ وعشش حتى في عقولنا وليس فقط في أوطاننا، وأنه يمسك بالخيوط كلها لإدارة الفوضى في بلادنا، فهو يمثل مسرحية الفوضى التي تهدف إلى تقسيم مصر عن طريق الدمى التي اصطنعها في كل موقع، فقد كان وما زال هو الثائر وهو رجل الأمن سواء كان ضابطًا أو جنديًّا، وهو أيضًا القائد العسكري وجندي الشرطة العسكرية، وهو البلطجي، والمنظر الحزبي والسياسي، وكاتب المقال والمصور والمخرج والمذيع في برامج التوك شو، والديزاينر للجرافيك المستخدم في التلفيق، بل وصاحب القناة أحيانا!!!.
وهذه بحقٍّ هي قمة الاحترافية التي وصل إليها ذلك الأراجوز الخبيث أستاذ إبليس نفسه، فعبر استخدامه لأحدث ما توصلت إليه التكنولوجيا العلمية بالإضافة إلى حساب الأموال المفتوح على مصراعيه للإنفاق على هذه المسرحية والمنهوبة أصلاً من دماء شعوبنا العربية والإسلامية؛ أظهر قدرة فائقة على إدارة المسرح باحترافية، ماضيًا نحو هدفه المنشود بتقسيم مصر؛ إن لم يكن لأربع فليكن لاثنتين مبدئيًّا كما فعل مع السودان.
فهل يعقل من مدير المسرح أن يوعز إلى "ثواره" وإلى بقية عرائسه بالاحتجاج "والثورة" عقب الإفراج عن التسعة عشر موظفًا أمريكيًّا، والذين يعملون لديه في ذات المسرحية؟؟ ولذلك ضغط على الزر فلم تحدث احتجاجات!!!.
ضغطة الزر (الصفقة)
لو سألت أي قارئ عن سيناريو الصفقة التي تمت لقال بعفوية: سلطة المرحلة الانتقالية لديها آلاف الملفات المفتوحة على مصراعيها، وقد أطارت هذه الملفات النوم من عينيها، وهي تسعى جاهدة لغلقها واحدة تلو الأخرى، كملف المعونة التي تهدد البلاد اقتصاديًّا، ملف الانفلات الأمني الذي يأتي معظمه من صاحب الزر، ملفات انتخابات الرئاسة، وكيفية الخروج منها بالعافية، وضمان ما بعد الانتخابات، ملفات الفساد الكثيرة، انخفاض الاحتياطي المالي والقمحي، المرتبات المليونية، الصعود الإسلامي وصعوبة تكرار سيناريو 54، والسعي لضمان عدم فتح ملفات الفساد التي تضر بالأمن القومي المصري... وغيرها من الملفات.
وبالتالي فإن أي وطني غيور ودون تملق لأحد سيسعى إن كان بعيد النظر وذا رؤية حكيمة لا تستجيب لردود الأفعال للحصول على مكاسب من هذه الصفقة ليس لنفسه هذه المرة بل لمصر كلها، وهذا يفسر لنا أسرار الصفقة دون الاطلاع عليها، فأعتقد أن أول المكاسب هو إيقاف الانفلات الأمني المدعوم من الخارج (لأن هناك انفلاتًا آخر أقل وطأة يُدعم من الداخل ويفيد السلطة أحيانًا) فبضغطة زر واحدة يتوقف كل شيء إلا ما كان من الأبواق الإعلامية التحريضية التي تعمل بآلية حلاوة الروح، والتي تعتبر عملها هذا بمثابة استمرارية لعمليات الإحماء حتى إذا ما تهيأت المسرحية الجديدة كانت "ستاند باي" هي وأبواقها للعمل الجديد.
كذلك تحصل مصر من هذه الصفقة على 32 مليون جنيه مصري (حلوين)، واستمرار المعونة 1.3 مليار دولار للعام 2013م، كما صرح أوباما، والدعم باتجاه حصول مصر على قروض بشروط ميسرة من البنك الدولي وغيره بقيمة 10.8 مليار دولار، والتي ستسهم بشكل فعال في تسيير الوضع الاقتصادي المتدهور منذ اندلاع الثورة، وستعمل على المضي قدمًا بالمشاريع المعطلة و... و... وستسهم في تأمين المرتبات المليونية ومن تحت الطاولة هذه المرة وبطريقة الصناديق البعيدة عن الكشوفات.
كذلك من مكاسب هذه الصفقة تسليم حسين سالم الهارب إلى السلطات في مصر؛ ليدل على بقية الأموال التي نهبها مقابل صفقة أخرى، ومن ثم تتحسن الحالة الاقتصادية، لا تقل لي إسبانيا غير أمريكا والقضاء الإسباني و .. و ... دعونا نحرج من شرنقة السذاجة قليلاً.
كذلك ستعمل هذه الصفقة على ضمانة عدم تكرار ما كان يحدث من انفلات أمني مدعوم من الخارج؛ وعلى الأقل إلى نهاية الفترة الانتقالية أما عند تسليم السلطة لرئيس مدني فساعتها سيكون لكل حادث حديث ولكل انفلات وقته وطريقته.
مكاسب قوم عند قوم مخاوف
ومن مكاسب هذه الصفقة، والتي هي مكاسب في جانب ومخاوف في جانب آخر ما يلي: تفرغ السلطة بشكل كامل لعملية قصقصة ريش التيار الإسلامي المنتفش دون منغصات واللعب في الساحة بحرية على حبال التوازنات المختلفة وضرب الاتجاهات المختلفة ببعضها للتقليل من مساحة تأثيرها في الشارع، ولا ننسى هنا ما صرح به أحد أقطاب السلفية حين استدعاهم أحد القيادات العسكرية بعد الثورة بفترة طالبًا وسائلاً باستنكار "شكلوا أحزاب انتو هاتسيبوا الساحة فاضية للإخوان ياكلوها والعة؟".
فهو يريد توازن للقوى ولو كانت على غير مزاجه المهم أن يقف بعضهم لبعض وهذا ما نراه الآن على الساحة من اختلاف الرؤى والمشاريع وعدم الاتفاق حتى على الأولويات التي انتخبهم الشعب من أجلها، وأذكر هنا ما أورده المحامي شوقي خالد في كتابه "محاكمة فرعون" عن أمر السادات لمباحث أمن الدولة بلاظوغلي في بداية السبعينيات بأن تستحدث جماعات إسلامية على الساحة ذات اتجاهات مختلفة تعمل على تفتيت القوة الأساسية التي استعصت على الإبادة في العهد الناصري فكان الجزاء من جنس العمل!! فهل يربي أحدٌ أسدًا في بيته؟ من المخاوف المباشرة هو السعي الحثيث لحكومة الجنزوري للحصول على قروض ليس فقط 3.2 مليار دولار ولا 6.4 مليار دولار بل 10.8 مليار دولار ذات قوة قتل ثلاثية!!! من أجل تُكبيل الحكومة والرئيس القادمين بديون لا قبل لهم بها وليخرجوا من الحلبة السياسية أذلة وهم صاغرون، أو أن يقدموا تنازلات سياسية ستكون في الأغلب لصالح إسرائيل للخروج من دائرة الديون. هل بدل النظام ملابسه وفقط؟ كنت أيضًا لسذاجتي "فأنا أحيا في عصر السذاجة" أعتقد أن نظام حسني مبارك قد تغير ولكن الحسرة أبت إلا أن تطبق على أنفاسي عندما رأيت رئيس وزراء الحكومة الفلسطينية "المقالة" يستقبله مدير المخابرات العامة، ولا يستقبله حتى مسئول في حكومة الجنزوري فضلاً عن المجلس العسكري، فلا يزال الملف أمنيًّا كما نرى حتى بعد "الثورة" فهل كانت الثورة من الدولة على نظام مبارك؛ أم من الشعب على نظام مبارك؟
ثم يُمنع من الخطبة في الجامع الأزهر فليس الأزهر مثل القيروان!!! ثم يصرح (كما عادة مسئولي حماس لا يوجد عندهم كواليس في السياسة) في خطبة الجمعة أن المسئولين المصريين يريدون بيع السولار "لغزة المحاصرة" لتشغيل محطة الكهرباء بالسعر العالمي "دولار للتر" أي بمعدل 15 مليون دولار شهريًّا، وأن دخول السولار يجب أن يكون من معبر "كيرم شالوم" الذي يتحكم به الصهاينة وليس من معبر رفح، وتجبي من هذه الصفقة ضرائب بمقدار 17% (2.55 مليون دولار شهريًّا) تذهب (هذا إن ذهبت) لسلطة رام الله وليس لغزة!!!... ما هذا؟ هل هذه مصر بعد الثورة؟ وكأننا نسينا أن حصار ومعاناة أهل غزة كان أحد الأسباب غير المباشرة للثورة. صفقات سياسية تاريخية مشابهة... ولكن!!!
أن عناوين الصحف الأجنبية كـ"النيويورك تايمز" و"الواشنطن بوست" وغيرها في التحذير من المجلس العسكري وانحيازه للتيار الإسلامي وخطر ذلك على السياسة الأمريكية الخارجية؛ لتدغدغ الأعصاب وتحفز الهمم وتطمئن بعض الشيء، هذا لو نحينا جانبًا الطريقة السوفيتية في الدعاية السوداء والرمادية.
وبمناسبة الدعاية السوداء والرمادية أرى أن ألقي الضوء على الرمادية، وخصوصًا أن جون ماكين استخدمها في موضوعنا هذا، حيث إن أسس هذه الدعاية تقول ببساطة "إذا كنت مكروهًا عند شعب ما وتريد أن تحدث فيه بلبلة واضطرابًا؛ فوجه الشكر والمدح لأحب الفصائل لهذا الشعب، فيؤدي ذلك إلى أن يشك الشعب في هذا الفصيل وينصرفوا عنه وهو المطلوب عندنا" وأترك لكم إسقاط ذلك على ما حدث لتعرفوا أين وكيف تربى وتدرب هؤلاء!!! لا شك أنهم خريجو أكاديمية إبليس السياسة.
وما يدعم هذا الاطمئنان أن في التاريخ الإسلامي صفقات مشابهة مثل: عدم قدرة الرسول (صلى الله عليه وسلم) على الأخذ بثأر أصحابه الذين قتلوا في كلٍ من الرجيع وبئر معونة فالدولة في ذلك الوقت كانت مهددة من الأعراب في جميع أنحاء الجزيرة العربية (حيث رمتهم العرب عن قوس واحدة). عدم قدرة سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه على الأخذ بثأر ذي النورين سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه، وقد كان القتلة معروفين وفي متناول اليد، ولكن حسابات الدولة غير حسابات الأفراد، فقد قدر سيدنا علي رضي الله عنه أن لو فعل ذلك لتفككت الدولة؛ لأن القتلة كانوا متغلغلين في مفاصلها المختلفة. موافقة صلاح الدين على الصلح الذي عرضه عليه ملك القدس بعد ذبح الحجاج المسلمين من قبل أرناط؛ وذلك لاستكمال استعدادات جيشه لفتح بيت المقدس وعدم جر الجيش لمعركة جانبية غير متكافئة في ذلك الوقت.
وغيرها كثير من المواقف التي تحتاج لحكمة في التصرف وليس لعنترية تصريحات، ولكن الفرق البسيط بين هذه المواقف وبين ما نحن فيه هو من يتخذ هذه القرارات؟!! وهل هي للمصلحة العامة فعلاً أم لمصالح أخرى؟!!... الأيام ستجيب علينا والتاريخ سيسجل.
----------