(أ) مشكلة الجيل الثاني وما بعده:
إن أبناء المسلمين الذين ولدوا في خارج ديار المسلمين يعانون من عدة مشكلات، أبرزها هو قلة المؤسسات الإسلامية التي تستوعب مراحلهم السنية المختلفة، من الحضانة، والمدارس الابتدائية والإعدادية والثانوية، فيلجئون إلى المدارس الحكومية، فيمكثون فيها ثماني ساعات كل يوم، مع مدرس يختلف معه في العقيدة، وله عاداته وتقاليده وثقافته التي يريد أن يعلمها للنشء، وبعضها يصطدم مع الدين الإسلامي، فيشعر الطفل بالتناقض بين ما يسمعه في البيت، وبين ما يتعلمه ويشاهده في المدرسة، فأيهما غلب غلب على الآخر.
وقد يذوب بعض الأولاد في هذه البيئة التي لم يشتد عوده بعد على مواجهة أعاصيرها، فينسى بعضهم دينه ولغته وبلده وانتماءه، خاصة إذا لم يجد ما يقوّي مناعته في البيت، بالإضافة إلى الحرية المطلقة المعطاة للأولاد، والتي لا تجعل من البيت قيدًا على تصرفاته، فقد يخرج بعض الأولاد عن طوع الآباء، وقد يعق بعض الأولاد آباءهم، ولا يملك الأب أن يصنع شيئًا، وقد يترك الولد البيت ويمضي حيث يشاء.
إن هذا كله يعكس صعوبة تربية النشء في هذه البيئة، مما يتطلب مضاعفة الجهد، وبناء المؤسسات التي تحمي النشء من الذوبان، وتحافظ عليه من الضياع، ومن هنا تزداد حاجة المسلمين إلى المدارس الإسلامية أكثر من حاجاتهم إلى المساجد في الوقت الحالي.
(ب) مشكلة الخلافات بين المسلمين:
إن المسلمين حينما هاجروا إلى أمريكا حملوا معهم أمراضهم الاجتماعية ومشكلاتهم الفكرية، واختلافاتهم المذهبية، فتجد نفس فصائل الحركة الإسلامية في الشرق هي نفسها في الغرب، بفكرها وسمتها ومظهرها وشكلها، وجو الحرية الذي لم يروه من قبل جعلهم يدعون بقوة إلى ما يعتقدونه من آراء وأفكار، حتى ولو كان يمثل وجهة نظر فردية، ومن شأن هذا التصرف أنه يوسع دائرة الخلاف والشقاق، ويعمق فجوة الالتقاء والاتحاد، ويزيد من التعصب الممقوت.
فكل مدرسة فكرية لها مساجدها ومدارسها وأنشتطها المستقلة، وهذا التفرق يضعف قوة الجالية أمام الجهات المسئولة، ويجعلها مطمعًا للنيل منها، خاصة في وقت الأزمات، وحدوث المشكلات، وأحداث التاريخ المعاصر شاهدة على ذلك.
(ج) مشكلة المسلمين الجدد:
من ثمرات الحضور الإسلامي في المجتمعات غير المسلمة، دخول بعض الناس في الإسلام–خاصة في بلاد الحرية– والتي لا يسأل أحد فيها غيره عن دينه ومعتقده، ولا يعاتبه أحد على تغييره أو اعتناق غيره من الديانات الأخرى.
ولا شك أنه في كل مسجد، وفي كل بيئة يتجمع حولها المسلمون يدخل بعض الناس الإسلام (وهم المسلمون الجدد)، ويفرح المسلمون بذلك فرحًا شديدًا، ويسعدون بذلك حينما يسمعون أحدهم يجهر بالشهادتين بعد صلاة الجمعة أو العيدين، لأنه يحرك عواطف الناس النائمة، ويوقظ إيمانهم المخدر، ويزدادون ثقة وإيمانًا بالإسلام.
إن المشكلة تبدأ مع المسلمين الجدد بعد دخولهم الإسلام؛ حيث إن بعضهم لا يجدون الرعاية والاهتمام الكافي لتعليمهم الدين الصحيح، في صورة سهلة ومبسطة وميسورة، يستطيعون فهمها وتطبيقها، وهذا كله يحتاج إلى اهتمام شديد قبل أن تقع المفاجأة الكبرى، وهي ردة بعض هؤلاء عن الإسلام، لا لعيب قد وجدوه، وإنما لإهمال من المسلمين في تعليم إخوانهم الجدد؛ حيث يظن بعض المسلمين أن هؤلاء قد فهموا الإسلام، وهم في الحقيقة لم يعرفوا عنه إلا القليل النادر.
إن المسلم الجديد في مسيس الحاجة إلى مساعدة إخوانه في التحول التدريجي نحو فهم الإسلام وتطبيقه، فلا يتركونه كالريشة المعلقة في الهواء، تتجاذبها الرياح في كل اتجاه، فيعاني من العديد من المشكلات والأزمات، دون أن يجد اليد الحانية التي تساعده في وضع الحلول المناسبة لكل ما يواجهه من عقبات في حياته الجديدة.
(د) مشكلة بعض الأئمة غير المتخصصين:
إن أوضاع المسلمين الأقلية في الغرب تتطلب إمامًا وداعية صاحب قدرات عالية، سواء كانت قدرات علمية وثقافية، أو شخصية ومهارية؛ حيث تؤهله تلك القدرات على الإجابة على الأسئلة الشائكة التي تحتاج إلى قياس واجتهاد، وكذا حل المشكلات الاجتماعية بعيدًا عن القضاء والمحاكم، وهناك قلة من الأئمة تنقصهم تلك المؤهلات، خاصةً أن بعضهم من غير المتخصصين، الذين لم يدرسوا العلم الشرعي في المعاهد والجامعات، أو على يد المشايخ في المساجد والحلقات، وإنما وصلوا إلى هذا المكان لفراغ الساحة من المتخصصين، فيتوقف أمام بعض المسائل التقليدية، فكيف بالمشكلات المعقدة التي تحتاج إلى سعة اطلاع واجتهاد.
(هـ) غياب المسلمين عن مواقع التأثير في الحكم والإعلام:
قد يكون السبب فى ذلك هو المسلمين أنفسهم؛ حيث لا يوجد لديهم البعد المستقبلي في العمل للإسلام، فلا بد من الاهتمام بالقيادات الموهوبة، ودفعها في مؤسسات ذات تأثير على مستوى الولاية، أو على مستوى الدولة.
وإذا تخطى المسلمون هذه المرحلة وقفت أمامهم عقبة أخرى، وهي هل يسمح قادة الأحزاب بمن يزاحمهم في كراسيهم من غير بني جنسهم وديانتهم؟، لقد خسر المسلمون خسارة كبيرة حينما تركوا هذه الأماكن دون حضور لهم، يمكن أن يفيدهم عند صناع القرار في سن القوانين التي تسمح لهم بمزاولة جميع حقوقهم، شأنهم في ذلك شأن باقي السكان المهاجرين.
(ز) اشتعال الصراع العقدي عند الحوادث:
عندما تقع حادثة ما، ويذهب ضحيتها عدد من الناس، تعود العقلية الغربية إلى الوراء سريعًا، وتلقى باللوم والتهمة على المسلمين، قبل مباشرة التحقيقات، ومعرفة الأسباب الحقيقية التى تقف وراء المشكلة، وأصبحت كلمة الإسلام والمسلمين مرتبطة بتدبير الحوادث والتفجيرات، وكأن كلمة مسلم عندهم تعنى إرهابي، وهذا نتيجة الخلفيات القديمة في أخاديد العقل والذاكرة بقيت آثارها من الصراع بين الشرق والغرب ومخلفات الحروب الصليبية.
ويترتب على هذه الخلفيات وتلك الأحداث العنصرية في المعاملة، والتضييق في أخذ الحقوق، رغم أنها بلاد الحرية، فأحيانًا عندما يذهب المسلم ليقضي مصلحة في الحصول على إثبات شخصية، أو رخصة قيادة، ويظهر عليه سمت الإسلام من شكله ومظهره، تتعقد الأوراق وتقف، ويدور في حلقة مفرغة لا يعرف لها نهاية، وقد شهد بذلك بعض المسلمين الذين لهم تجارب في التعامل مع المؤسسات الحكومية بعد وقوع أي حادث. (ولسوء الحظ فإن الإسلام في أمريكا، وفي أذهان كثير من الأمريكيين يرادف المسلمين السود، ويتذكرون بدرجة أهم أعمال العنف التي وقعت في الستينيات والسبعينيات، على أيدي أفراد سموا أنفسهم بالمسلمين، وبغض النظر عما إذا كانت هذه الأعمال لها ما يبررها، فإن الأمريكيين ينظرون إلى الإسلام على أنه دين عنصري)، من كتاب الأقليات المسلمة في العالم ظروفها المعاصرة آلامها وآمالها صـ 1164.
إن أمريكا يمكن أن تهادن الإسلام فترة من الزمن، لكن هذا يتغير ويتطور حسب طبيعة المرحلة والعصر الذي تعيش فيه، ففي فترة مناهضة الاتحاد السوفيتي لأمريكا، ومنافسته لها كأكبر قوتين في العالم، كانت أمريكا تعتني بالإسلام ليقف أمام الزحف الشيوعي الأحمر، فإذا ما حققت ما تريد، ووصلت إلى غايتها المنشودة، حولت خصومتها للإسلام على اعتبار أنه هو المنافس لها في المستقبل، فقوته كامنة في ذاته، فقد ينام أتباعه فترة من الزمان لكنهم سرعان ما يستيقظون, ويتوحدون أمام الأحداث الجسام، فهم يفكرون بهذه الطريقة التي تحقق مصلحتهم أولاً وأخيرًا، يقول أ/ سيد قطب: (الأمريكان وحلفاؤهم مهتمون بالإسلام في هذه الأيام، إنهم في حاجة إليه ليكافح لهم الشيوعية في الشرق الأوسط، بعدما ظلوا هم يكافحونه تسعة قرون أو يزيد، منذ أيام الحروب الصليبية، إنهم في حاجة إليه كحاجتهم إلى الألمان واليابان والطليان، الذين حطموهم في الحرب الماضية، ثم يحاولون اليوم بكل الوسائل أن يقيموهم على أقدامهم، كي يقفوا لهم في وجه الغول الشيوعي، وقد يعودون غدًا لتحطيمهم مرة أخرى إذا استطاعوا). (كتاب أمريكا من الداخل صـ59).
كيفية المحافظة على الوجود الإسلامي في أمريكا:
(1) تجميع المسلمين تحت مظلة واحدة تحميهم وتدافع عنهم؛ حيث تكون تلك المظلة هي المجمعة والمحركة والمعبرة عن كلمتهم، ولا شك أن هذه المؤسسة تكون أكثر تنظيمًا ودقة، وحرصًا على المصلحة العامة، وتستطيع أن تخاطب المسئولين بمطالب المسلمين المقيمين في تلك البلاد.
كما يتم السعي من خلال تلك المؤسسة للاعتراف بها من جهة المسئولين، فتكون حلقة الوصل بين الجالية والحكومة، وتسعى تلك المؤسسة ليكون لها أفراد من المسلمين ممثلين في المجالس المحلية، على مستوى المدينة والولاية، وصناعة القيادات المؤهلة لذلك، وأن يكون لها حضور واضح في وسائل الإعلام المشاهدة والمسموعة والمقروءة، تعبر عن الرؤية الإسلامية في القضايا المثارة على الساحة، وبيان موقف الإسلام من المشكلات المعاصرة، وتقديم الحلول الإسلامية لتلك المشكلات.
( 2) أن يصنع المسلمون مجتمعات مسلمة صغيرة داخل المجتمعات الكبيرة التي يعيشون فيها، فيتجمع المسلمون في مكان واحد، فيسكنون بالقرب من المسجد ويقيمون المؤسسات الخدمية الجماعية، مثل المدارس الإسلامية، ومراكز الشباب، ومحلات بيع اللحوم الحلال، واستيراد السلع الغذائية من منتجات البلاد الإسلامية، والاكتفاء الذاتي من التخصصات المختلفة داخل الجالية، فلا بد أن تحرص على أن يكون فيها الطبيب، والمهندس، والمحامي، والمدرس، والإعلامي، ورجل الأعمال الذي يقدم خدماته للجالية المسلمة بالطريقة المناسبة، كما ينبغي العمل على تنمية المواهب من الشباب، ودخولهم في المؤسسات التي تعتني بالمهارات، والتي يمكن من خلالها إبراز النموذج الإسلامي في الاختراعات والاكتشافات، لتفيد الإنسانية عمومًا، وتساهم في تصحيح صورة المسلمين في الغرب على وجه الخصوص.
(3) تأهيل النابهين من أبناء المسلمين للدعوة، وذلك بافتتاح المعاهد والجامعات التي تدرس العلوم الإسلامية المتخصصة للراغبين، بحيث يكون هناك أكبر عدد من المسلمين، لديهم القدرة على دعوة المسلمين للالتزام بتعاليم الإسلام، وغير المسلمين للدخول فى الإسلام، وهذا يحتاج إلى استقدام العلماء المتخصصين للتدريس، وإقامة المعاهد والمؤسسات التي يتم فيها التدريس، وتوفير القوة المادية التي تنفق على هذا المشروع، خاصة أن هناك عوائق كثيرة تقف في طريق مشاهير الدعاة في السفر للخارج.
------------
** أستاذ الدعوة الإسلامية بجامعة الأزهر، وجامعة طيبة بالمدينة المنورة.