لم أسترح يومًا إلى الوزيرة فايزة أبو النجا، ولم أكن من المهللين المبتهجين بتلك التصريحات العنترية، التي أطلقتها منذ أمد غير بعيد، عن السيادة المصرية في مواجهة الغطرسة الأمريكية، ولم ترقني كتابات بعض من أحترمهم مثنين عليها، مقدِّرين ما تحدثت به من قوة وحزم، في مواجهة الأمريكان المتغطرسين، وقاومْت ظنوني، وقلت عندها: لعلهم يرون ما لا أرى، ويعرفون ما لا أعرف عن هذه المرأة التي ذهب كل الوزراء الذين عملوا مع المخلوع الخائن، وبقيت هي مفروضة علينا.
وسرعان ما صدَّقت حدسي الأيامُ، وأظهر زيفَ عنتريتها وعنتريةِ حكومتها- ومن ورائهما المجلس العسكري- الأحداثُ الأخيرةُ، التي أكدت بوضوح أن هذا الفريق لا يعمل بإخلاص أبدًا لصالح مصر والمصريين.
إننا كمصريين في الخارج والداخل نشعر بمرارة وألم وخزي وعار يلاحقنا أينما سرنا، وأينما حللنا؛ بسبب موقفين لا نجد مبررًا لهما مع من يحدثنا:
أولهما: عبور سفينتين حربيتين قادمتين من إيران قناة السويس- التي تقع في الأراضي المصرية وتحت السيادة المصرية- متجهتين إلى سوريا، بالطبع لمساعدة بشار المجرم العميل، وعصابته الإرهابية في إبادة شعبه الأعزل وإخواننا من أهل السنة، وسط تواطؤ الجامعة العربية والأمم المتحدة.
وما كان للشقيقة الكبرى بعد أن قامت فيها ثورة على الظلم والطغيان أن يفعل ولاة أمرها ما لم يفعله المخلوع الخائن، إلا أن فعلتهم هذه أثبتت أنهم ساندوا ثورتها زورًا، وادَّعوا الوقوف إلى جانب شعبها كذبًا، لقد سألني أحد الطلاب عن أسباب ذلك، فخجلتُ، ولم أجد ما أرد به عليه.
ثانيهما: ذلك التصرف المذل، والركوع المهين أمام الغطرسة الأمريكية، بعد أن كدنا ننخدع بعنترية أبو النجا، ونفي الجنزوري المؤبد لركوع مصر، وبتنا تطاول أعناقنا النجوم، ونتغاضى عن كل سلبيات وإهانات المجلس العسكري، ونعدُّها من باب الصغائر، مقارنةً بهذا الموقف الذي أورث كل مصري بل وعربي العزة والإباء، وبات يحلم ويوقن- طبعًا من باب السذاجة وحسن النية- بأن مصر ستكون مفتاح عزة العرب والمسلمين، كما كانت، وأن زمان الانحناء والركوع قد ولَّى إلى غير رجعة.
ولكنها فرحة ما تمت، وهناءة لم تدم؛ إذ أبى هؤلاء إلا أن يفسدوا علينا فرحتنا، ويوقظونا، بل ويخرجونا من هذا الواقع الجميل، الذي كنا نتمناه منذ زمن بعيد، وظننا أننا عايشناه، فاستيقظنا على صدمة ويا لها من صدمة!!، كدت من هولها لا أصدق ما يقال: الأمريكيون غادروا مصر محاطين بالمدرَّعات المصرية، هكذا ببساطة؟! هكذا دون احترام للشعب؟! ودون أن يُكشف له عن أسرار ذلك التغير المفاجئ في المواقف؟!
لقد أكبرت في ذلك الوقت حركة حماس، تلك الحركة (وليست الدولة) التي أجبرت أمريكا وإلصهاينة على احترام إرادتها، وكسبت من وراء جندي واحد إطلاق سراح ما يزيد على ألف أسير فلسطيني، أما مصر الدولة العظيمة والشقيقة الكبيرة، فإنها لم تنل شيئًا، واحسرتااااه، واحزنااااه، واقهراااه.
سأظل أشعر بذلك الحزن، وأتألم لذلك القهر، إلى أن يحدث أحد أمرين:
أولهما: أن يصدر إعلان مملوء بالشفافية والمصداقية والإقناع، يعلن فيه من وقفوا وراء هذه الفعلة وأمروا بها، المكاسب التي حققتها مصر من وراء هذا الأمر الذي أخجلنا جميعًا، ومرَّغ أنفوفنا في التراب.
الثاني: أوأن تشكل لجنة قضائية برلمانية للوقوف على أسبابه، ومعرفة الآمرين به، وتقديمهم- أيًّا كانوا- إلى محاكمة عادلة من جرَّاء ما ارتكبوه من تفريط في سيادة مصر، وما مارسوه من تآمر على شعبها.
وإلى ذلك الحين فإنني سأضرع إلى الله العلي القدير في سجودي أن ينتقم ممن قهرني وأحزنني، وأعاد إليَّ طأطأة الرأس، بعد أن رفعتها لعدة أيام بسبب ثورتي وثورة شعبي، لا بسبب عنتريته الزائفة، ولاءاته الباطلة.
--------
* جامعة الأزهر- كلية اللغة العربية.