إنَّ الأمم تلثم جراحها، وتلتمس كل سبيلٍ حتى تبرأ، بينما يمسك بعضنا بمبضع ليوسِّعَ الجرح، ويزيد الآلام حتى يغرق الوطن بنزيف لا يتوقف، وحتى يجهز النزيف على جسدٍ لعبت العلل المتراكمة عليه في إبقاء الجسد طريح الفراش فترة من الزمن، وإنَّ الذي يريد أن ينجز وعدًا، أو يحقق هدفًا، أو يصل إلى غاية يجفوه النوم، وتودعه الراحة، وتقلوه الدعة حتى يصل إلى بغيته ويحقق مبتغاه، بينما بعضنا استمرأ النوم، اكتفى بالكلام، ودَّع العمل، شرَّح الجسد حتى صار الجسد مغطى بوشاح سميك فمتى نفيق؟.

 

لقد مضت على الثورة سنة كاملة زادت قليلاً وما زال اقتصادنا يحبو، وما زال الوضع كما هو عليه، الأمن ما زال في سنواته الأولى، الاقتصاد ما زال في مهده، الجريمة التي ارتكبت في حقِّ شعبنا عن عمد من تبديد للثروة، وتغييب للريادة، وإمعان في تقطيع الأواصر بيننا وبين غيرنا من إخواننا، وفقر أفقد الكثير الطموح وأطاح بالآمال، ونثر العبث في كلِّ أرجاء الوطن، كل هذا وما زلنا لم نتحرك، إننا شعب سُرِقَت إرادته عبر سنوات طويلة، ودخل في غيبوبة عبر عقود متتابعة حتى آفاق فقال قولاً بليغاً بثورته الخالدة الراشدة، إننا نحتاج إلى أن نمزَق دفاترنا القديمة وننطلق بروح فتية، وعزيمة قوية، ورغبة ملحة في انتشال الوطن مما هو فيه، لقد منحنا الله نعمة الحرية فيجب أن نحسن الاستفادة منها، وأن نكون أهلاً لها.

 

أتمنى أن يأتي اليوم الذي نرى فيه الفساد في الحكم المحلي وقد تلاشى إلى غير رجعة، والأمن وقد حلق من جديد، والأواصر وقد قويت، واللصوص وقد محو من خارطة الوطن، أتمنى أن نشعر بأن الوطن أمانة في أعناقنا ليس من أجلنا فحسب بل من أجل أجيال قادمة شاء الله أن تكون الثورة سابقة لقدومهم إلى الحياة، وسيشهدون على حسن استقبالنا لها، أو تضييعنا لها.

 

أتمنى أن نحسن استغلال الفتوة في شبابنا وأن نفتح لهم نوافذ الأمل باستيعاب الطاقات الهائلة وتوظيفها واستثارتها في مشرعات تقضي على الفراغ، وتنسف البطالة.

 

أتمنى أن يعود انتماؤنا حقيقيًّا دون مزايدة على هذا الوطن، افتحوا نوافذ الأمل، وبوابات العمل حتى يعودوا إلى حضن الوطن آمنين، يستشعرون أن كل مجهود يبذل سيكون مردوده على الجميع، يسروا باب المشروعات الصغيرة، حاربوا الروتين والإجراءات المملة، تبنوا الشباب حتى ننهض من جديد، لا تنتظروا أن يأتي غيرنا لينقذنا مما نحن فيه، إن الشعب الذي صنع هذه الثورة الملهمة بتوفيق من الله قادر على أن ينهض وحده.

 

إننا نحتاج إلى ثورة موازية في مجال الإنتاج والعمل، نحتاج أن نصمت قليلاً ونعمل كثيرًا حتى يتضح الغث من السمين، وحتى يعرف الناس الحريصين على الوطن ممن ادعى حبه، دعوا المخلوع للقضاء الشامخ الذي نثق فيه جميعًا، لا نريد للفتنة أن تستعر جذوتها من جديد، ضمدوا جراح الوطن حتى يتعرى من رقصوا على آلامه؛ لأنهم بفعلهم رسموا خط النهاية لأنفسهم، حمى الله مصرنا من كل ما يحاك لها وبها.