أستميحك عذرًا وأسفًا يا أولى القبلتين وثالث الحرمين، يا مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خذلناك وحال ضعفنا وعجزنا عن نجدتك، وتخلت عنك الأنظمة وباعتك العروش وتآمرت عليك- بالتجاهل والسلبية والصمت الشديد كصمت القبور- أصحاب الجلالة والفخامة والسمو؛ خوفًا على عروشهم، وحرصًا وحفظًا لأرصدتهم، وتركوا شبابًا غضًّا يافعًا ليدفع ويتلقى هذه الهجمة الشرسة البربرية من العدو الصهيوني بصدور عارية وأيدي منزوعة السلاح، ولكن مسلحة بالإيمان والثقة في نصر الله تعالى.
والأمة بأسرها وزعماء النفط ينظرون إليهم ويغضون الطرف ويأسرون السلامة ويدفنون رءوسهم في تلال أموالهم، وهم لم يتعظوا بالطغاة مبارك والقذافي وابن علي وغيرهم الذين باعوا شعوبهم وأنفسهم للعدو الصهيوني والغرب، وكان المخلوع كنزًا إستراتيجيًّا للصهاينة، فكان رخيصًا فباعوه في سوق النخاسة؛ لأنه لم يعزز نفسه ويثمنها بشعبه ووطنه وكرامته، فباعهم جميعًا وحاصر شعب غزة الأعزل مرضاة لأسياده فلم يشفع كل ذلك، وهاهو يقف موقفه الذليل المهين الخانع بعد أن تخلوا عنه ولفظوه يلقى مصيره وحيدًا بائسًا، ألم تتعظوا من سقطته وذلته وهوانه؟ ألا تريدون أن تعيشوا بكرامة وعزة؟ ألا تدافعون عن مقدساتكم وعن دينكم وأعراضكم وكرامتكم؟
ورحم الله تعالى المغفور له الملك فيصل بن عبد العزيز حين شحذ سلاح النفط وسنه في وجه الغرب مجتمعين، وأوقف حاملات النفط المتجهة للغرب، فعلمنا حينها أن هذه الأمة ولودة معطاءة ولن تعقم أبدًا من إنجاب الرجال والقادة أمثال محمد الفاتح، وعماد الدين زنكي، والناصر صلاح الدين، وقطز، وغيرهم من أعلام هذه الأمة وقادتها.
ماذا تنتظرون هل تنتظرون إلا هرمًا مفندًا أو موتًا مجهزًا أو فتنًا كقطع الليل أو ضياع ملككم، وهنا أذكركم بما حدث عند سقوط غرناطة آخر معاقل المسلمين في الأندلس في 21 محرم 897 هجرية/1492م وخروج ملكها أبو عبد الله الصغير آخر ملوك بني الأحمر منها باكيًا في سفح جبل الريحان، متحسرًا متململاً منهارًا بعد أن داهن ونافق فيرنا ندو وإيزابيلا الملكان الكاثوليكيان طمعًا في بقائه في الحكم، والتمتع والتنعم بنعم الحياة، وإن كانت مغلفة بالذل والانكسار والهوان، ولم يدافع عنها ويجاهد مع مَن جاهد فصفعته أمه عائشة الحرة بكلمات إن كانت قاسية لاذعة ولكنها كانت تجسد الواقع وتفضح تخاذله عن نصرة دينه وحرمات رعيته وأرض الإسلام، فقالت له هذه الأم الواعية الحصيفة المدركة لجرم ولدها وخيانته لشعبه ودينه: (ابكِ مثل النساء ملكًا مضاعًا لم تحافظ عليه مثل الرجال)، وإمعانًا في الذل والتحقير جعلوا رمز دولتهم الجديدة صورة عبد الله الصغير، وقد التفت الأصفاد حول عنقه، لعل حكام الأمة الإسلامية يعون هذا الدرس، ويجاهدوا جهاد الرجال الفوارس الأبطال قبل أن يبكوا وينتحبوا على عروشهم وكراسيهم، ويتعلمون من أبي عبد الله الصغير الكثير قبل أن يلقوا مصيرًا مظلمًا تعيسًا كمصير مَن سبقوهم.
ولعلهم يتعلمون من درس الأندلس أنه خيرًا لك أن تلقى الله تعالى رجلاً أبيًّا مجاهدًا خير لك من أن تعيش ذليلاً كسيرًا مسلوب الكرامة (مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (23)) (الأحزاب) صدق الله العظيم، وليعلموا أن رياح التغيير لن تُبقي ولا تذر إلا من المخلصين لدينهم وشعوبهم وأمتهم والشقي من اتعظ بنفسه والسعيد من اتعظ بغيره.
إن الخوف والجبن من ألد أعداء الإنسان إذا تملكا وسيطرا على صاحبيهما وأخذا بناصيته، خاصة إذا كان جل همه ومنتهى أمله وغاية رغبته أن يعيش ليأكل ويرتع ويتلذذ ويقضي شهوته، فإذا كان ملكًا أو حاكمًا زيدت أصفاده في خشيته من زوال سلطانه وتبدد ملكه، فيسمع ويطيع وينصاع لما يملى عليه مهما كان الثمن فادحًا.
ففي هذه الفترة الحرجة والأجواء الملبدة بالمكائد والدسائس والمساس بالمقدسات وتجلت فيها سطوة وقسوة الغرب على الإسلام ومقدساته، وساعدهم حالة الوهن والتشرذم والتبعية التي تمر بها الأمة المسلمة، فضلاً عن تسلط حكامها على الشعوب قبل الربيع العربي، وما زالت بعض الأنظمة لا تستطيع أن تغير من سياساتها وإن أعطوا هامشًا ضئيلاً من الحرية خشية انفجار شعوبها من الضغط والكبت، ولكنها تنفذ ما يملى عليها حرفيًّا بلا تعديل أو حذف أو إضافة؛ لأنهم يعلمون جيدًا وما هي العاقبة وما هو الجزاء، وهو إحالتهم إلى الاستيداع واستبدالهم بحكام يكونون أكثر طاعة ومرونة وانقيادًا وتبعية.
ولو كان هناك شيء من العقل لعلموا أن المخلوع مبارك لم يشفع له عند الصهاينة كونه كنزًا إستراتيجيًّا فباعوه بأبخث الأثمان، وصدقت المقولة إنما أكلت يوم أكل الثور الأبيض، فسار حكام العرب سير العبد على مراد وهوى سيده، يأتمر ويسمع ويطيع لا يبالون بمقدسات أو دماء أو حرمات، ويسمح لهم ببعض التصريحات العنترية شريطة ألا تقترن بفعل أو مجرد الرغبة في التغيير، فها هم يرون المخطط الصهيوني والممنهج في تهويد القدس وتدنيسه بالاعتداءات الصارخة على ساحات وباحات المسجد الأقصى والاستيطان المتواصل، وابتلاع آلاف الدونمات، واعتقال وقتل العشرات من الشباب الطاهر دفاعًا عن المسجد الأقصى، ولم نسمع تصريحًا واحدًا من زعيم أو حاكم أو خادم.. يصرخ ويصرّح مستنكرًا ورافضًا لما يحدث ويهدد– نعم- يهدد فقط ويعلن الويل والثبور وعظائم الأمور للصهاينة، حتى وإن كان الفعل ضعيفًا ولا يرتقي إلى مستوى الحدث؛ حتى يشعرنا ويبث في وجدان هذه الأمة أنه ما زالت هناك بقية باقية من رجال الأمة وقادتها وزعمائها المحترمين الذين انقرضوا ولم نعد نسمع عنهم إلا في كتب المطالعة والتاريخ.
ولم نر الآن إلا من يعيشون أسرى لأوهام وتراهات وخيالات استطاعت أجهزة المخابرات أن تنفذ وتتغلغل وتنشر وتبث سمومها في قلوبهم، فتحيلها من قلوب المفروض أنها حرة أبية ترفض الضيم والذل إلى قلوب أسيرة لهم هشة ضعيفة مرتعشة ترضى بالدون من الحياة والعيش الذليل، لا أدري هل تغيرت ثوابت الأمة ولانت عزائم الرجال وغارت كرامتهم؟ هل بوفرة النفط وضغطه أم تحسبًا لغضب اللوبي الصهيوني وسدنة البيت الأبيض؟ هل يبقى لنا من كرامة أو من عزة إذا استبيحت بيضتنا وذهبت نخوتنا وتلاشت هيبتنا ونحن نستجدي العدو الصهيوني استجداء الذليل الخانع أن يرحم ضعفنا وهواننا ويرفع يده عن المسجد الأقصى والقدس الشريف؟ وتنظر دول العالم إلينا شامتة متشفية يقول لسان حالها والله الموت خير لكم وباطن الأرض خير لكم من ظاهرها حين لم تدفعوا عن مقدساتكم وحرماتكم، وأصبحنا مسخة وفرجة للعالم أجمع.
ماذا أنتم فاعلون تجاه فلسطين وتهويد القدس والاعتداءات اليومية على المسجد الأقصى والأنفاق التي استباحت دعائمه لتقوض بنيانه، والشباب الذي يعتقل ويقتل ويعذب وتنتهك حرماتهم وتهدم دورهم ويشردوا وينفوا خارج القدس.. وأنتم... نعم.. أنتم صنف والله لم تر البشرية مثله منذ فجر تاريخها في هوانكم ومذلتكم وانكساركم للغرب والعدو الصهيوني؛ خوفًا من بطشه وبطش سيده وولى أمره الصنم الأمريكي.
والله عجبًا لكم من أي طينة أنتم؟ ومن أي معدن خلقتم؟... ألا تتأثر نفوسكم بما يحدث!! ألا تتحرك مشاعركم نحو هذا الصراخ من الثكلى والأرامل حزنًا على أولادهم سواء في القدس أو في سوريا أو في كل بلاد المسلمين، ألا تنتفض نخوتكم ألا تثور رجولتكم ألم تحدثكم ضمائركم ولو لمرة واحدة بالتلويح؟... نعم للتلويح فقط ولو لمرة واحدة، نعم ولو لمرة واحدة لا تكرروها.. بقطع أنهار البترول والغاز المتدفقة بلا حساب... ووقف ضخِّه للغرب والصنم الأمريكي الحاضن والداعم والراعي الرسمي للعدو الصهيوني؛ لنقول للعالم لقد خرج سادة العرب وحكامهم من قبورهم وسرى الدم في عروقهم، ودبت الروح فيهم من جديد، واستعادوا هيبتهم ومكانتهم وقوتهم بعد طول غياب كسانا فيه الذل والخوف.. وهذا جهد المقل.
ماذا أنتم فاعلون لو نضبت حقول بترولكم، وغارت آباركم من النفط بين عشية وضحاها، والله عزَّ وجلَّ قادر في لحظة واحدة أن تعودوا إلى رعي الغنم، وحلب الإبل، وغزل الصوف، وانتظار المحمل، اغضبوا لله تعالى ولو لمرة واحدة تجدوها عند الله تعالى، فإن لم نعش ونجاهد جهاد الرجال سنبكي وننتحب كما تبكي وتنتحب النساء، نحن لا ننتقص من كرامة أو قدر أحد ولكن نذكر بثقل التبعة، وعظم المسئولية أمام الله تعالى.. رحم الله تعالى الناصر صلاح الدين رضي الله عنه، ورحم الله تعالى الملك الصالح فيصل بن عبد العزيز الذي ما زال مكانه حتى الآن شاغرًا... عليهم جميعًا رحمة الله.
--------------------
* عضو الأمانة لحزب الحرية والعدالة