ونحن على أعتاب انتخابات رئاسية ستأتي برئيس مصري، يترقبه شعب مصر الوفي، كما العرب والمسلمون والعالم أجمع، ينبغي التأكيد على عدة أمور:

 

أولها: أن رئاسة دولة بحجم مصر أمر من الخطورة والأهمية بمكان، وهذه الأهمية مكتسبة من أهمية مصر ومحوريتها في العالمين العربي والإسلامي بصفة خاصة، وأهميتها كذلك على الصعيد العالمي بصفة عامة، ويجدر هنا التنبيه إلى ما يحكيه القرآن الكريم من تباهي فرعون وتفاخره باعتلائه عرش مصر، تلك الدولة ذات الحضارة العريقة والنهضة العمرانية الراسخة؛ حيث يقول تعالى: (وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ (51))(الزخرف)، كما قال تعالى واصفًا مصر، وما كان فيها لفرعون من النعمة والملك، بما لم يصف به مشرقًا ولا مغربًا، ولا سهلاً ولا جبلاً، ولا برًّا ولا بحرًا (كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (25) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (26) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (27))، وعبَّر عنها بالأرض في مواضع عديدة؛ للإشارة إلى أن ثروات أرضها تعدل ثروات الأرض كلها، شهد لها بذلك القرآن وكفى به شهيدا.

 

ثانيها: أن دولة بهذا الحجم تحتاج رئيسًا ذا مواصفات خاصة، سواء كان نظام الحكم فيها برلمانيًّا أو رئاسيًّا أو (مختلطًا) وهو ما أميل إليه، فليس من المصلحة لمصر أن نضع على رأس هرم السلطة فيها رئيسًا من ماركة (صنع في أمريكا)، بل من الضروري أن يكون رمز مصر الأول صناعة مصرية، بنسبة 100%.

 

ويبدو لي أن الحد الأدنى من سمات الرئيس المرتقب لمصر، ذات التاريخ العريق عربيًّا وإسلاميًّا وحضاريًّا، يتمثل فيما يلي:

 

1- أن يكون مُحبًّا لمصر، عاشقًا لترابها، فخورًا بالانتساب إليها، مزهوًا بأفراد شعبها، صغيرهم وكبيرهم، فقيرهم وغنيهم، عاملهم وعالمهم، فلا ينحاز إلى طبقة دون طبقة، ولا يميل إلى فئة دون فئة، يدافع عنهم، ويضع همومهم على رأس أولوياته، ويعيد إليهم كرامتهم التي عمل المخلوع الخائن على سلبها، يعتبرهم جميعًا أبناءه، ولا يميز بينهم لأسباب حزبية أو دينية أو فكرية، حتى وإن كان مرشحًا عن حزب معين، أو منتميًا إلى تيار محدد.

 

2- أن يكون سياسيًّا ماهرًا، يُقدّر دور مصر على جميع المستويات والأصعدة كافة، ويعمل على عودة دورها الريادي (لا سيما في محيطها العربي والإسلامي والإفريقي)، من غير صدام ولا منازعة، يترفع عن المهاترات، ولا يُدخل مصرَ في معارك لا طائل من ورائها، يهتم بتواصلها مع جميع دول العالم على أساس من الاعتزاز بالدين والثقة في النفس والاحترام المتبادل، يرفض التبعية بأي شكل من الأشكال، ويحرص على الاستقلالية قولاً وفعلاً بكلِّ وجه من الوجوه.

 

3- أن يخاف الله رب العالمين، ويتمسك بتعاليم الدين، ويحافظ على هوية المصريين، ويحترم أعرافهم، ويشاركهم أفراحهم وأتراحهم.

 

4- أن يكون قويًّا بكل ما تعنيه كلمة (قوة)، أمينًا على مصر بكل ما فيها من ثروات، وبكل ما في أرضها من كنوز وخيرات، يعد نفسه أجيرًا عند الرعية، وخادمًا لها نظير أجر مُرضٍ ومكانة مرعية، (إِنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ (26))(القصص).

 

5- أن يكون صاحب رؤية واقعية، وبرنامج نهضوي قابل للتنفيذ، مع استعداده للمحاسبة والتقويم عند الإهمال أو التقصير (إن رأيتموني على حق فأعينونني، وإن رأيتموني على باطل فقوموني).

 

6- ألا يكون ممن ساهموا في إفساد حياة مصر السياسية خلال الفترة الماضية، أو تقلدوا مناصب مع المخلوع وعصابته، أيًّا كان موقفه من أفعالهم، إذ يكفيه جرمًا الموافقة على العمل مع الخائنين، ومباركة سعي المفسدين.

 

ثالثها: أن عملية الاختيار بين المرشحين يجب أن يحكمها قول المصطفى الأمين "إذا وُسِّدَ الأَمرُ لغيرِ أهلَه فانتظر الساعة"، وهو حديث يجعل الانتخاب أمانة والاختيار مسئولية، يلزمها التحري والتدقيق والتروي، والبعد عن التعصب الفكري والعاطفي والقبلي؛ إعذارًا إلى الله تعالى أولاً، ثم لمصلحة مصر والأمتين العربية والإسلامية ثانيًا.

 

وعليه فإنني لن أتردد في إعطاء صوتي لمن تتوفر فيه هذه الشروط كلها، أو نسبة عالية منها، حتى لا أكون ممن وسدوا الأمر لغير أهله، والله تعالى هو المستعان، ونسأله التوفيق وعدم الخذلان.

-------------------

* جامعة الأزهر- كلية اللغة العربية بشبين الكوم.