قد يقول قائل: هذا مسألة حسمها المرشد وغيره من قادة الإخوان في أكثر من تصريح، ولا تحتاج إلى مزيد بيان، وقد يقول ثانٍ: علينا أن نلتفت إلى العمل، ونبتعد عن الجدل، فمصر في أمسِّ الحاجة إلى عمل يعيد إليها قوتها، وقد يقول ثالث: إننا بتناول هذه المسألة نسلط الأضواء عليها، ونعطيها زخمًا إعلاميًّا، وقد يقول رابع: طرح هذه القضية يعيدنا إلى الوراء، ونحن نريد من يأخذ بأيدينا إلى الأمام.

 

وهذه الأقوال صرفتني أيامًا عن تناول هذه المسألة، وزهدتني في طرحها، حتى سمعت من يقول: الإخوان يخشون العسكر ويخضعون لهم ويداهنونهم، وذلك لتمرير مصالحهم السياسية الرخيصة، ودليلي على ذلك أن الإخوان لم يهتفوا قط: يسقط يسقط حكم العسكر.

 

وسماعي لهذا القول دفعني للكتابة دفعًا شديدًا- وإن شئت فقل: استفزني استفزازًا عظيمًا- وذلك حتى أجلي موقف الإخوان من العسكر.

 

وقبل أن أخوض في هذه المسألة وإجابة الإخوان عنها أحب أن أقرر ابتداءً أن من خصائص دعوة الإخوان المسلمين: البعد عن هيمنة الكبراء والأعيان والهيئات والحكومات والدول، وأن من منهاجهم في ذات الوقت: تجنب غيبة وتجريح الأشخاص والهيئات وعدم التكلم إلا بخير، وهم يقدمون النصح للجميع، ويقلبونه أيضًا من الجميع، فهم يعلمون أن الدين النصيحة، ويأخذون بقول ابن مسعود رضي الله عنه: ليس في الدنيا أحد أكبر من أن يُنصح، ولا أصغر من أن يَنصح.

 

وأوكد أن نفرًا من الذين لا يعرفون الإخوان معرفة دقيقة- وإن زعموا هذه المعرفة- لا يتفهمون مواقف الإخوان، وهذا لا يرجع أبدًا إلى غموض وضبابية مواقف الإخوان- كما يزعمون، فمواقفهم واضحة جلية- إنما يرجع إلى أن هؤلاء النفر لا يكلفون أنفسهم عناء محاولة الفهم ويصمون آذانهم عن السماع، وذلك لأنهم اتخذوا ابتداء موقفًا في أنفسهم، ولا يريدون أن يزحزحوا عنه.

 

وغني عن البيان أن الإخوان المسلمين نالوا في عهود العسكر السابقة ما لم ينله أحد من القتل والتعذيب والنفي والتشريد ومصادرة الأموال وإغلاق الشركات والإقصاء عن الساحة وتلفيق القضايا، والمحاكمات العسكرية، وما كان ذلك كله إلا لرفضهم الواضح للحكم العسكري.

 

أعلم أني قد أطلت عليك أيها القارئ بهذه المقدمات، وعذري أني أريد البيان، وأنتقل إلى موقف الإخوان من المجلس العسكري، وألخص موقفهم، فأقول:

1- ألم يرفض الإخوان البندين التاسع والعاشر من وثيقة السلمي اللتين كانتا تكرسان لدكتاتورية العسكر، وتجعلان من المؤسسة العسكرية دولة داخل الدولة؟!

2- ألم يعترض الإخوان على تفعيل حالة الطوارئ عندما قرر العسكري أن يفعلها؟

3- ألم يطالب الإخوان العسكري بتحديد جدول زمني واضح ومفصل لتسليم السلطة للمدنيين؟

4- ألم يضغط الإخوان من أجل إجراء الانتخابات النيابية في وقتها وعدم تأخيرها، وهذه أول خطوة في تسليم السلطة؟

5- ألم يعلن الإخوان رفضهم لتعامل العسكري مع أحداث: السفارة، والبالون، وماسبيرو، ومحمد محمود، ومجلس الوزراء، وبورسعيد؟!

6- ألم يرفض الإخوان استخدام العسكري للقوة المفرطة في فض اعتصام مصابي الثورة في التحرير؟!

7- ألم ينكر الإخوان على المجلس العسكري التباطؤ في تطهير أجهزة ومؤسسات وهيئات ووزارات الدولة من المفسدين؟!

 

ومن هنا أستطيع أن أجزم أن الإخوان لم يعقدوا صفقة مع العسكر، وأن صفقتهم الوحيدة فهي مع هذا الشعب الكريم، بل إنهم يرفضون حكم العسكر، ولكن هذا الرفض- كما رأيت- رفض عملي يظهر في إجراءات واقعية لإنهاء هذا الحكم في أقرب وقت لا بالهتاف ضد العسكر ثم لا شيء بعد ذلك، فكأنه تنفيس ثم رضا بالأمر الواقع.