حاول "المجلس العسكري" ضبط إيقاع الثورة بحيث تصل إلى بر الأمان.. وكان يتمنى أن يضع مواصفات هذا "البر" بنفسه.. ومنفردًا، لكن التيار كان عاليًا؛ لأنها كانت ثورة حقيقية، فلجأ "العسكري" إلى مستشاريه الذين أدخلوه في براكين "اللعبة السياسية".

 

لقد خاض "العسكري" تجربة مريرة حين تحول التأييد الجارف له إلى "شك" ثم "رفض" ثم "اتهام"؛ وذلك لموقفه المتراخي من محاكمات المخلوع وأعوانه وقتلة المتظاهرين؛ حيث كانت المناورة الأولى لضبط الأوضاع وفق عصاه باعتباره "مايسترو" المرحلة وقائدها.. ولم يستطع ذلك، فلما اضطر لتنفيذ إرادة الشعب وبدأ يستعيد بعضًا من رصيد التأييد الذي فقده، كانت "المناورة الثانية" في "وثيقة يحيى الجمل" والتي عصفت بالرجل ووضعته في زوايا النسيان مشيعًا بغضب الجميع واستنكار موقفه الممالئ للعسكر والمعاند للشعب وثورته.

 

ولما هدأت الأمور بالتغيير الوزاري، تعجل "العسكري"- من جديد- استثمار الرضا الشعبي عن وزراء مثل "الببلاوي" و"السلمي" بطرح "وثيقة السلمي" التي أظهرت تمامًا رغبة "العسكري" في مكانة دستورية تعلو الجميع، وكانت النتيجة هي الإطاحة "بالسلمي" وبالحكومة كلها بعد ذلك.. تلك النتيجة الصادمة والتي وضعت شعبية "العسكري" على المحك.

 

استطاعت القوى السياسية-  رغم اختلافها- أن تدفع "العسكري" لإنجاز "الانتخابات البرلمانية"، ونجحت في أن تجعل عملية إنجاح الانتخابات بمثابة استفتاء على (شرف المجلس العسكري) بحيث يلحق به العار إلى الأبد إن حدث ما يعكر سيرها، لا سيما أن مذابح الطرقات من العباسية وحتى مجلس الوزراء كانت تضع "العسكري" متهمًا رئيسيًّا ومدانًا دون انتظار التحقيقات!.

 

ومع ذلك لم يجن "العسكري" ثمرة نجاح الانتخابات؛ حيث انشغل المجتمع السياسي بالخريطة البرلمانية الجديدة التي يشكل الإسلاميون أغلبيتها، ومدى تأثير ذلك في جوانب الحياة المتعددة وأهمها كيفية صياغة "الدستور"، وظهر أن "العسكري" بدأ يفقد خيوط السيطرة على التشريع بتأكيد "رئيس البرلمان" على عدم التفريط في حق المجلس في التشريع، ولهذا كانت مناورة الصدام مع "المنظمات المدنية الأمريكية", مع تأكُّد "العسكري" أن الرد الأمريكي الفولكولوري- والوحيد- في مثل هذه الخطوات والتهديد بقطع المعونة، تمامًا كما حدث مع "سعد الدين إبراهيم" وغيره، وحينها تنشب الأزمة بين "الأمريكان" من جهة و"مصر الثورة" من جهة أخرى, وسيحتاج الأمريكان لصديق مصري عاقل!.. يلجئون إليه.

 

فلمن يلجأ الأمريكان في هذه الأزمة إذن؟! سيأخذون حتمًا بنصيحة "مارينا أوتاواي" مسئولة برنامج الشرق الأوسط بمعهد "كارنيجي للسلام " التي حذرتهم في دراستها في 13/2 من مغبة عدم إصلاح العلاقات مع "العسكري"، وإلا لن يجدوا إلا "الإخوان" و"السلفيين"!, أما الأحزاب العلمانية التي ترتاح "أمريكا" في التعامل معها فلا وجود لها ولا تأثير.. هكذا نصحتهم.

 

وكانت نصيحة "مجلس العلاقات الخارجية" قبلها في 10/2 هي احتواء الأزمة، وعدم الإيغال في الخصومة مع "مصر الثورة"؛ باعتبار أن تأثير هذه المنظمات المدنية هامشي، ولم تمثل فاعليةً في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، ولا تستحق توتير العلاقات بسببها, والأفضل أن يتنادى الجانبان (أي المجلس العسكري والأمريكان) إلى تفاهمات لتجاوز الأزمة.

 

صحيح أنه لا يخفى على أحد هذه الأنهار من الأموال المتدفقة على منظمات مصرية وغير مصرية، وصحيح أن موقف كل الوطنيين واضح وهو إدانة هذه التمويلات غير المقننة، بل إن المزاج السياسي المصري لن يتقبل أشكالاً كثيرة من التمويل التي قد تتقبلها مجتمعات أخرى مستقرة وليست مطمعًا للاستهداف الأمريكي.. ولكن، ورغم استقرارنا على هذا الموقف فإنه ينبغي ألا يستدرجنا أحد إلى معركة لم نستعد لها فنفتح على الدولة الوليدة جبهات "كامب ديفيد" و"المصالح الأمريكية" دون الاستعداد لهذه الأجندة الخطرة إستراتيجيًّا، كما ينبغي أن نعلم أن "الأمريكان" أنفسهم ما زالوا في حالة ترقب لدراسة "القيادة الوطنية الجديدة".

 

لقد شيدت "أمريكا" سياستها مع مصر على أسس ثلاثة وهي:

1 – عدم تغلغل السوفييت في منطقة الشرق الأوسط.

2 – توسيع جهود السلام العربي- "الإسرائيلي".

3 – مساعدة "أمريكا" في حالة اندلاع نزاع في الخليج العربي.

 

وكل هذه المحاور كان "العسكر" أصحاب الدور الفاعل فيها، أما الآن فلم يعد للسوفييت وجود، ثم كانت "الهرولة العربية" عنوان العلاقات مع الدولة العبرية، كما استضافت "قطر" أكبر قاعدة عسكرية تحمي المصالح الأمريكية من أي تهديد من ناحية الخليج العربي، فماذا بقي للدور العسكري المصري؟ لا شيء.. هكذا يفكرون.

 

"المجلس" يعلم هذا، ويعلم أن مرحلة الديمقراطية ستضعه في إطار منضبط، وستبرز الدور القيادي "للمدنيين"، ولذا سارع ليضع نفسه على الخريطة "كفاعل سياسي "وصديق قديم للأمريكان، ومنبهًا على خطورة السياسيين الحاليين الذين يهددون (من أولها) بتمزيق "كامب ديفيد".

 

لذا فرغم أهمية تقنين عمل "المنظمات المدنية" بأنواعها، والرقابة على مصادر تمويلها، ورغم أهمية مراجعة "كامب ديفيد" وما ترتب عليها من "المعونة الأمريكية"، فإن الأجندة الوطنية اليوم مثقلة بمرحلة "التحول الديمقراطي"، فيجب علينا ألا ننساق لأجندات أخرى، كما أنه ليس من مصلحة الثورة أن تبدأ علاقاتها الدولية بالصدام مع الأمريكان، وقبل بناء رؤية إستراتيجية متكاملة لا تجرفها العواطف، ولا تورِّطها "المناورات".

 

-----------

* Mohamedkamal62@ymail.com