كم من أحرار غُيبوا وراء غياهب السجون لمجرد أنهم نطقوا بكلمة حق أمام السلطان الجائر، وكم من أفواه كممت وكم من شرفاء خرجوا من بيوتهم ولم يعودوا ولم يعرف أحد حتى إن كانوا أحياء فيبحثوا عنهم أو أموات فيترحموا عليهم، وكانت تلك السياسة هي ديدن النظام السابق مع معارضيه فهو لا يقبل المعارضة ولا يعرف شرف الخصومة، بل كان يحكم حكمًا شموليًّا مستبدًّا، وسيلته فيه القهر والتعذيب وكل وسائل التخويف والترهيب.

 

واليوم وبعد إسقاطه من شعبه الذي مل تلك الوسائل وكسر كل حواجز الخوف التي صنعتها أنظمة متوالية وهانت عليه بذل الأرواح بعدما ضحى بدمه شباب هم أطهر من ماء السماء نحتسبهم عند الله شهداء ونسأله تعالى أن يتقبلهم، وبعد قيام الثورة المصرية وجدنا من الشعب المصري العظيم أخلاقًا ضربت أروع الأمثلة في التعاون والتراحم والتواصل بين الجيران في الشارع الواحد، وبين الثوار في كل الميادين، وتتكون اللجان الشعبية أمام كل بيت الجار يحرس بيت جاره والمسلم يحرس الكنيسة والمسيحي يحرس المسلم أثناء صلاته، أخلاق أرقت مضاجع أعدائنا وهم كثيرون فلم تهدأ لهم نفس وباتوا يخططون كيف يفسدون على الشعب المصري فرحته بثورته العظيمة التي علم بها العالم كيف نقضي على الطغيان بسلمية رائعة وقضى الشعب على النظام المستبد بهتافات راقية وروح عالية من الصبر والفكاهة التي تميز الشعب المصري عن كل شعوب الدنيا، حتى في وقت الشدة،  وهو أمر لم يعجب هؤلاء، ربما يكونوا قابعين في طره، وربما لا يزال منهم من يسكن القصور ويقوم بما يقوم به من إهدار لثروة مصر من منتجات البترول.

 

ولمن يريد أن يعرف فليسافر إلى شمال مصر بالتحديد في منطقة الدلتا في المنطقة التي تسبق مدينة جمصة بقليل ليرى كيف أن حاملات البنزين ترمي حمولتها هناك في الرمال ثم تحرقها، فمن دفع ثمن هذه الحمولة ربما أضعاف ثمنها الحقيقي ويقوم بحرقها، ومن شاء أن يرى بنفسه فليقم بزيارة قصيرة لرأس البر أو الإسكندرية أو البرلس ليرى بعينه عمليات تهريب السولار أمام أعين الجميع وسمعهم في سفن الصيد أو ما يسمى بطائرة البحر؛ ذلك القارب الذي يسير بسرعة كبيرة وقد جيء به خصيصًا لتلك العمليات الغير شرعية ولا مشروعة، والمقصود منها إما تخريب الاقتصاد عمدًا وصنع أزمات فوق الأزمات الموجودة فعلاً والتي يعاني منها الشعب المطحون والذي ما عاد يحتمل المزيد منها، هذا فوق عمليات تهريب الأرز والسكر والزيت المدعم عبر تلك الوسائل نفسها.

 

وقد قمت بحوار مع أحد الصيادين في تلك المناطق فزاد على هذا الكلام بقوله:"بأن من يقبض عليه يعود في اليوم التالي دون أن يتعرض لأي اتهام، مما يثير التساؤلات عمن وراء تلك العمليات المشبوهة والتي يمكن أن تدخل في قضايا الخيانة العظمي وبالطبع المقصود من كل هذا هو عمل أزمات تلو أزمات ليظل الوضع مشتعلاً بين الناس وبين المسئولين وليظل التساؤل بلا جواب مقنع.

 

وكأن كلمة المخلوع قد صدقت وهو يقول "إما أنا وإما الفوضى من بعدي".

 

ثم تأتي المؤامرات على نطاق أوسع فمن افتعال الأزمات إلى انتهاك الحرمات وترويع الآمنين من عمليات خطف وبلطجة منظمة تتزايد يومًا بعد يوم في ظل غياب متعمد من جهاز الأمن المنوط به أن يحفظ للناس حياتهم وأمنهم وأموالهم فأصبح الواحد يخرج وهو لا يأمن على نفسه الانتقال من محافظة إلى محافظة، وكأننا فقدنا روح الشعب المصري الذي صنع ثورة من أعظم الثورات في العالم، أحداث تحمل في طياتها أصابع المخلوع وحزبه والتي يديرونها بأموال الشعب المنهوبة في ظل سكوت مقيت ومشبوه من جهاز الأمن سواء الشرطة أو المجلس العسكري، ويتعدى الأمر كل هذا إلى ما يسمى بالاغتيال السياسي، من محاولة قتل الدكتور محمد البلتاجي، ثم الدكتور البرنس، ثم محاولة قتل الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح.
فأي رسالة يريدون توصيلها للشعب المصري؟ ولماذا سكوت المجلس العسكري؟ هل يريدون تخويف الشعب؟ أو تخويف أي من هؤلاء المنادين بالقصاص والإصلاح والتغيير الحقيقي؟ من القائم بكل تلك المصائب المتوالية؟ من هو الطرف الثالث الذي يحدثنا عنه المسئولون؟ ألم يتضح في أحداث بور سعيد بعد؟ وبعد محاولة اغتيال هؤلاء الشرفاء؟ ألم تتحدد هوية الفاعل بفعله؟ أليست هي نفس السياسة القديمة التي كان يستخدمها مع معارضيه؟ ثم إلى متى سيظل التعامل الهين مع هؤلاء المجرمين سواء القابعين منهم في السجون أو الساكنين في القصور؟

 

و سواء كانوا في تل أبيب أو في البيت الأبيض؟ إن الخيوط واضحة والأيادي العابثة رآها كل ذي بصيرة فإلى متى السكوت؟.