الهجرة عمل مشروع، ندب إليه الإسلام، وقام به الصحابة الأعلام، بل إنها كانت حلاًّ لمشكلة عصيبة نزلت بالمسلمين الأوائل، حينما وقعوا تحت القهر والاستبداد والإكراه والقسر؛ من أجل تغيير المعتقد، وترك الدين، فحض النبي- صلى الله عليه وسلم- الصحابة على الهجرة إلى الحبشة، حيث العدل والأمان، والحرية والمساواة، ثم كانت الهجرة المباركة إلى المدينة المنورة، لتكون منطلقًا لتأسيس الدولة، وبناء الوطن، وتجميع المسلمين نحو الانطلاقة الكبرى، فلولا الهجرة ما ظهر الإسلام في شبه الجزيرة العربية، ولولا الهجرة ما كانت الفتوحات الإسلامية التي شرقت وغربت، وعقدت أولويتها في المدينة، وخرجت طلائعها من تلك البقعة المباركة التي شرفت باستقبال النبي- صلى الله عليه وسلم- وأصحابه.

 

ولقد تعددت وتفاوتت أسباب هجرة المسلمين إلى أمريكا من فرد إلى آخر، وذلك بسبب اختلاف الدوافع والأسباب، ويمكن حصرها فيما يلي:

 

(1) منهم من يهاجر طلبًا للقوت، وسعة الرزق، وهذا هو الأغلب والأعم؛ حيث يعاني من قلة ذات اليد داخل بلده، نظرًا لكثرة عدد السكان، وقلة الموارد، فيتجه كثير من الناس- خاصةً الشباب- بحثًا عن السعة في الرزق، وهي هجرة مشروعة، قال الله تعالى عنها في القرآن الكريم: (وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً)(النساء: من الآية 100).

 

كما حضنا الإسلام على السعي في الأرض كلها دون الوقوف عند الحدود الجغرافية المصطنعة، قال تعالى: (فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (15))(الملك).

 

فعطف الأكل من الرزق على المشي في الأرض؛ لأنه مقدمة وسبب له، فإذا حسنت النية في الهجرة من أجل طلب الرزق الحلال، والفرار من الفقر والجوع والحرمان والبطالة، فهذا أمر مشروع ندب إليه الإسلام.

 

ولقد امتن الله على قريش بالربح المادي في تجارتها في الشتاء والصيف، وطلب منهم شكره على هذه النعمة العظيمة، فقال تعالى: (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (4))(قريش).

 

فالهجرة بقصد المنفعة المادية والمزيد من الكسب الحلال، خاصة أن التجارة الخارجية تحقق هذا الهدف سريعًا؛ ما يعود على الفرد وأمته بالربح والثراء، هذا شيء مرغوب ولا بأس به.

 

ويضاف إلى ما سبق أن هناك عوامل تجذب السكان في الهجرة إلى أمريكا، ومن بينها التسهيلات في القروض المادية، وهذا هو أهم الأمور؛ حيث الهدف الرئيسي المسيطر على المهاجرين، إنما هو الجانب الاقتصادي، وكذلك التقليد لوجود بعض الأقارب والمعارف بالمهجر، فالمهاجر من قرية أو مدينة غالبًا يحاول الآخرون من موطنه وقريته الاقتداء به، فيجتمعون من جديد في أحياء كاملة خاصة بهم، كما هو ملاحظ بين الجالية الفلسطينية والصومالية.

 

ويجب على المسلمين المهاجرين توظيف وجودهم توظيفًا دعويًّا، فلقد رأينا قديمًا في القرون الأولى من الإسلام انتشرت الدعوة الإسلامية، ودخل الإسلام كثير من البلاد على أيدي التجار الأمناء الصادقين، الذين ظهرت أخلاق الإسلام في معاملتهم بيعًا وشراءً واقتضاءً، ففتحت قلوب الناس للإسلام، وفتحوا بلادهم للمسلمين دون إراقة قطرة واحدة من الدماء.

 

(2) ومن الناس من يهاجر طلبًا للأمان، وفرارًا بحياته من الاضطهاد أو التضييق؛ حيث يعيش في بيئة لا تسمح له بالحرية في الإعلان عن هويته وعقيدته ومبادئه، فيعيش في قلق، فما إن يجد مجالاً للفرار من هذا الجو الخانق، فيحرص عليه، ويفر إليه، قال تعالى عن فتية أصحاب الكهف: (فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا (16))(الكهف).

 

وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا)(النساء: من الآية 97).

 

فالهجرة في الآية طلبًا للأمان، وقد لا يجد الإنسان الأمان في مسقط رأسه، وتجمع عائلته، ويجده في بيئة تختلف عنه في العقيدة والدين، فلا يختلف اثنان في أن الحرية في الغرب أكثر منها في الشرق، حتى إن الغرب يسمح بحقِّ اللجوء السياسي للشرقيين، فرارًا من الاضطهاد، أيًّا كان نوعه ومصدره، ولا نجد هذا في الشرق من قريب أو من بعيد، وهذه حقيقة مشاهدة وملموسة لا ينكرها أحد من العقلاء.

 

(3) ومن الناس من يهاجر طلبًا للعلم المادي الذي سبق فيه الغرب، فيتعرف منه على مفتاح الحضارة الغربية؛ حيث تقدمت العلوم فيها إلى أعلى درجة، حتى جعلت الإنسان يحلق في الهواء كالطير، ويغوص في الماء كالسمك، ويصعد فوق سطح القمر، وظهر ما يعرف بغزو الفضاء.

 

هذه الحضارة التي وصلت إلى أوجها وقمتها يحتاج طلاب العلم والمعرفة إلى الوقوف على أسرارها، والأسس التي قامت عليها، وكيف نصل إلى ما وصلوا إليه، وهذا لا يكون إلا من خلال البعثات العلمية، والهجرات الفردية طلبًا للعلم، وتحصيلاً لثمراته، إننا نجد بعض الأثرياء في العالم الإسلامي يرسلون أولادهم للدراسة والتعليم في دول الغرب، للاطلاع على أسس التقدم العلمي، ودراسة أسرار التقنية في العلوم التجريبية، والتخصص في العلوم التي يحتاجها المسلمون في الشرق، ودراسة اللغات المختلفة التي تجعلهم ينفتحون على ثقافات الشعوب وتاريخهم للاستفادة من جانبها الإيجابي، وهذا أمر مشروع ندب إليه الإسلام وحث عليه؛ حيث يقول صلى الله عليه وسلم: "الحكمة ضالة المؤمن، أنى وجد ها فهو أحق الناس بها".

 

بإطلاق لفظ العلم حتى يشمل العلم الديني والدنيوي، بل إن الإسلام اعتبر طلب العلم لونًا من العبادة التي يثاب فاعلها بما تقربه من أجر المجاهدين في سبيل الله، فقال- صلى الله عليه وسلم-: "مَن خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع".

 

وهذا من فروض الكفايات التي لا غنى للمسلمين عن معرفتها والاستفادة منها.

 

4- ومن الناس مَن يهاجر بقصد الاستشفاء، وطلب العلاج، خاصة من الأمراض التي يصعب معالجتها في بلده، والتي سبق فيها الطب في الغرب آمادًا بعيدة، وقفز التقدم في صناعة الدواء قفزات هائلة، حتى إن كثيرًا من الحكام والوزراء والمسئولين يعالجون هناك، رغم أنهم قد توفر لهم أعلى مستوى من الطب في بلادهم، وقد دفع هذا كثيرًا من الأثرياء وأصحاب الأموال أن يهاجروا فترة من الزمن، يعيشون في خارج بلادهم، طلبًا للشفاء وأخذًا بالأسباب، وسعيًا نحو الدواء المناسب، وهذا أمر مشروع، قال صلى الله عليه وسلم: "تداووا عباد الله فما من داء إلا وله دواء علمه من علمه وجهله من جهله".

 

5- وهناك الهجرة الفردية ذات الطابع الشخصي، الذي يبحث صاحبها عن النزهة والاستجمام، ومشاهدة المناظر الطبيعية التي تكسب النفس هدوءً، ويرى فيها آثار قدرة الله، وإبداع صنعته، وقد لا تتوفر هذه المشاهد في وطنه، فيسعى إلى هذه الهجرة غير الاضطرارية، والغريب أن كثيرًا من الدول أصبحوا يتفننون في توفير العديد من هذه الوسائل وتطويرها، وعمل الدعاية الواسعة لها، لجذب الناس إليها، فتدر عليهم المال الوفير، بل إن كثيرًا منهم من يعتبر هذه الأمور- السياحية- من مصادر الدخل القومي.

 

6- وهناك الهجرة إلى الغرب بقصد نشر الدعوة الإسلامية، وتبليغ رسالة الإسلام إلى غير المسلمين، وهذا من منطلق شهادة المسلمين على غيرهم من الأمم، حتى لا يكون لهم حجة أمام الله يوم القيامة، في عدم إبلاغ الدعوة لهم، وإعذارًا إلى الله تعالى: (لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) (البقرة: من الآية 143).

 

وهذا الهدف النبيل دفع بكثير من الدول الإسلامية إيفاد العلماء والدعاة والقراء إلى الغرب؛ لتعليم المسلمين وأبنائهم الإسلام، ودعوة غير المسلمين، وفي البخاري: "بلغوا عني ولو آية".

 

وفي البخاري أيضًا في حجة الوداع قال- صلى الله عليه وسلم-: "ألا هل بلغت، اللهم فاشهد، فليبلغ الشاهد منكم الغائب".

 

وكثير من الدعاة المتخصصين في العلوم الشرعية، يهاجرون إلى الغرب بصورة فردية، بعيدًا عن الدول والمؤسسات؛ ليقوموا بهذا الواجب العظيم، وخاصةً الحاجة إليهم في هذه البلاد أكثر من حاجة بلادهم إليهم، لا سيما بعد إتقانهم لغة البلاد التي يهاجرون إليها، والله تعالى يقول: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ)(إبراهيم: من الآية 4)، ومن الجدير بالذكر أن موجة الهجرة التي تمت في فترة الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين لها سمات خاصة يصفها الدكتور حسان حتحوت بالملامح الآتية:

 

- أنها موجة عقائدية بنسبة كبيرة، فكثير من أفرادها يعملون في الحقل الإسلامي في السابق، فلما ضايقتهم بلادهم هاجروا وهم يحملون عقيدتهم معهم ويعملون لها.

 

- أنها عالية التعليم، ومن بينهم من يشتغلون في أماكن حساسة في الجامعات ومراكز البحث العلمي، كما أن منهم أقطابًا في الصناعة والتجارة.

 

- أنها ليست أجنبية في أعين الناس، وإلا اعتبرنا أن كل من في أمريكا أجانب فيما عدا الهنود الحمر.

 

- أن تعددية أمريكا خففت حدة التعصبات الدينية.

 

- أنها واعية بالتحديات التي أمامها، وتتناولها بالعقل والتخطيط.

 

6- أن عددها ليس ضئيلاً، وأن هذا العدد يزيد باختيار مزيد من الناس الدخول في الإسلام.

 

أثر الهجرة إلى الغرب على المسلمين:

ترتبت على هجرة المسلمين المتعددة والمتنوعة خلال العقود الماضية بالرغم من تنوع أسبابها ودوافعها آثار إيجابية كثيرة، ويمكن رصدها فيما يلي:

 

1- دخول بعض الغربيين في الإسلام من طبقات مختلفة، ومستويات ثقافية متنوعة، وهذا لم يكن يحدث ما لم يكن هناك حضور إسلامي وسط هؤلاء، يتعاملون معهم في البيع والشراء، ويتعايشون بينهم في السكن والعمل، مع حسن المعاملة، وسعة الأخلاق.

 

وهذا يبشر بتوطين الإسلام في الغرب، فلم يصبح الإسلام دين المهاجرين فقط، يخرج بعودتهم ورجوعهم إلى بلدهم، بل أصبح دين المواطنين الأصليين، ومن المتوقع أن هؤلاء المسلمين الجدد بعد تعليمهم الإسلام وطرق الدعوة إليه إذا قاموا بواجب الدعوة سوف يكون لهم أثر كبير في بني جلدتهم؛ لأنهم يتكلمون بلسانهم، ويعرفون مداخلهم، وطرق التأثير فيهم.

 

2- تحسين أوضاع المسلمين المهاجرين اقتصاديًّا؛ حيث دخلوا في سوق العمل والتجارة، فحققوا دخولاً مادية عالية، عادت بالخير على أنفسهم وأسرهم وعائلاتهم ومجتمعاتهم وأوطانهم التي هاجروا منها، وهذا دفعهم لشراء وبناء المساجد والمؤسسات الإسلامية التي تكفل لهم وللأجيال القادمة حياة إسلامية وسط الغرب، فَتَملَّك كثير منهم بيوتًا بدلاً من الإيجار الشهري، وتملَّك كثير منهم محالاًّ ومصانع كبيرة فتحت أبوابًا للعمل من أبناء المسلمين، كما دخل بعضهم منافسًا في البورصة العالمية.

 

3- الاستفادة من التقدم العلمي في البحوث العملية، ونقل الخبرات والتقنية إلى البلاد الإسلامية، والانفتاح على ثقافات الشعوب الأخرى بدلاً من الانغلاق على الذات، والانعزال عن التقدم والتطور الذي سبق فيه الغرب وقطع مسافات طويلة، حتى أصبح يطلق على بلاد المسلمين الدول النامية، أو العالم الثالث، فتقريب الفجوة، وردم الهوة لا يكون إلا بنقل أسس النهضة، وصناعة ثورة علمية في كلِّ مجالات الحياة، من خلال دراسة أسس العلوم التطبيقية وتطورها، ومن خلال الخبرات التي تعيش في الغرب.

 

4- العمل على تهيئة المسلمين للبديل الحضاري في المستقبل القريب، خاصةً أن العلل والأمراض والأوبئة بدأت تظهر في الحضارة الغربية القائمة على الجانب المادي فقط، ولقد قام الغربيون أنفسهم برصد مظاهر وأمارات الانهيار، والسبب أنها قامت على التقدم العلمي وضياع الأخلاق، وتطوير الآلة والاستغناء عن الإنسان، فحققت للفرد الرفاهية المادية، ولكنها لم تكسبه سكينة النفس، وطمأنينة القلب وراحة البال، أراحته بدنيًّا ولم تسعده روحيًّا، ناهيك عن الأمراض الاجتماعية التي طفت على الساحة من التفكك الأسري، والانحلال الخلقي، وشيوع الجريمة، والتعصب العنصري البغيض.

 

وفي الحقيقة ليس هناك من هو مؤهل للقيام بدور المنقذ غير المسلمين، الذين يحملون معهم الدواء الكافي، والبلسم الشافي، متمثلاً في نور الوحي، واجتهاد العقل في معالجة شقاء النفس، والشعور باليأس، وإحياء الأفراد بأن لهم رسالة أسمى، ودورًا أعلى في عمارة الكون وإقامة العدل في الأرض.

 

----------------

* الأستاذ بكلية الدعوة بجامعة الأزهر الشريف