يبدو أن الثورة حتى الآن ثورة الشعب فقط؛ الذي يبحث عن رموز وقادة تمثله وتنهض به وله، ولا يمكن أن تحدث النهضة إلا بالتوافق على هويَّة المجتمع والدولة، ولا يمكن ذلك إلا بالحرية أولاً؛ حتى يكون الاختيار والتوافق على الهوية هو الاختيار الشعبي الحر.
- ثورة يناير أعظم ثورة شعبية، تستهدف (الحرية) والمساواة والعدالة الاجتماعية (الهوية)..
فالحرية مطلب كل البشر، والمثال هو نجاح الحضارة الغربية العلمانية في تحقيق قدر من الحرية والديمقراطية لشعوبها، لكنها فشلت وتجبَّرت على الآخر الحضاري (المسلمين).
أما المساواة والعدل (مبادئ الهوية) فالإسلام منفردًا هو الذي أقرَّ منظومةً إستراتيجية الهوية، تستوعب الجميع من ذوي العقائد والمذاهب والثقافات المختلفة بالمساواة المطلقة.
- الواقع المصري يشير إجمالاً لتقدم كبير في جانب الحرية، مهما كانت السلبيات؛ مما أظهر قوة الهوية الإسلامية الشعبية وتأثيرها، لكننا نجد تكالب الفريق المضاد لنتائج صناديق الاقتراع على التوجه الإسلامي بالتخويف من الدولة الدينية (الهوية)؛ الأمر الذي يعمل على تشتيت الإجماع الوطني؛ حيث ننتمي لمجتمع يستند إلى الدين فإذا تمَّ الربط بين دين المجتمع والدولة (الإسلام) وبين تجربة أوروبية عنصرية، فلا يمثل ذلك إلا تدميرًا ممنهجًا للأفراد والمجتمع والدولة.
- المشغولون بالمقارنة بين الديني والمدني (قضية الهوية) للتخويف من الإسلام لم ينشغلوا بتحقيق الحرية التي ينادون بها، وهم أصلاً من مشاهير دعاة العلمانية، وقرروا أن يختبئوا خلف مصطلح "المدنية" بدلاً من العلمانية المعدومة الفرصة بمصر.. هذه النخب تهاجم التوجه الإسلامي؛ بدعوى أنه مصدرٌ لإرهاب الطوائف الأخرى، ولم نسمع مطلقًا أن أحدًا اتهم دينًا أو فكرًا في حدِّ ذاته بالإرهاب؛ لمجرد أن بعض أتباعه قاموا بأعمال إرهابية، بل يتم توجيه الاتهام فقط لهؤلاء الإرهابيين كأشخاص.. هؤلاء الرموز عبارة عن مترجمين للنقد الغربي للفكر الديني الكنسي بالعصور الوسطي بأوروبا، ومتفرغين لإسقاط هذه الترجمة على الإسلام، دون محاولة فهم القرآن والسنة (المنظومة الإستراتيجية الإلهية)، ولا أي دراسة محايدة للحضارة الإسلامية، مثل الطبيب الذي يأمر باستخدام دواء مريض القلب لمريض آخر، لا بد أن يعي الجميع أن الإسلام هو الوحيد على الإطلاق الذي هو "دين وهوية" وليس دينًا فقط؛ لأنه المنهج الإلهي الخاتم للمسلم، يمثل الدين والهويَّة، ولغير المسلم يمثل هويَّةً فقط، وعلى أن يحتفظ غير المسلم بعقيدته (اختيار مكرم عبيد كان مسيحيَّ الديانة ومسلم الهويَّة والحضارة).
- الدولة الدينية عبارة عن تجربة أوروبية فاشلة خاصة بإقصاء الدين المسيحي، ولا مجال للمقارنة بالإسلام (لا نظريًّا فكريًّا ولا عمليًّا تاريخيًّا)؛ لأن الإسلام انفرد باستيعاب كل الناس في كل مجالات الحياة؛ لأنه المنهج الخاتم، ولم يجرؤ أحد في التاريخ الإسلامي أن يقول إنه يحكم باسم الله وإن كلامه مقدس (مثل ما حدث في الدولة الدينية بأوروبا) حتى الرسول، صلى الله عليه وسلم، كان قاطعًا في تحديد أن له جانبين؛ الأول مقدس كمبلغ عن الوحي الإلهي، وهو أمر خاص به فقط يستحيل أن يكون لإنسان غيره، والجانب الثاني للرسول هو البشري كأي قائد أو زعيم أو داعية يجتهد ويصيب ويخطئ، والأمثلة كثيرة للصحابة الذين أقنعوا الرسول بتغيير آرائه وقراراته وصولاً إلى الاجتهاد الأنفع.
أما نظام الحكم بإيران- مهما كانت سلبياته- الذي يتحججون به فهو بعيد تمامًا عن مفهوم الدولة الدينية، فالناس في إيران ينتقدون المرشد الأعلى ولم يجرؤ أحد على الدفاع عنه؛ لأن رأيه مقدس، كما أن صلاحياته أقل بكثير من صلاحيات حاكمنا السابق حسب دستور 1971، ولا خلاف عالميًّا على أن نظام الحكم بإيران منتخب ديمقراطيًّا (الحرية) ويعبر عن توجهات أغلبية الشعب (الهوية)، وبالرغم من ذلك فنحن بمصر نتطلع لنظام غير النظام الإيراني تمامًا، لكن الحق لا بد أن يقال حتى تتضح محاولات الخلط المتعمَّد بين القضايا لضرب الإجماع الوطني على هويَّة المجتمع والدولة؛ مما يمثل أيضًا خدمة مجانية لأمريكا والكيان الصهيوني.
- لا بد من الإصرار على المسار الديمقراطي للثورة؛ حتى يتم بالحرية استكمال هدم بقايا النظام البائد، لكنَّ بناء النظام السياسي الجديد لا بد أن يكون بالحرية والهوية.
-------------------
* رئيس جمعية المقطم للثقافة والحوار- Hassanelhaiwan@hotmail.com