تكاثرت الدعوات لإنقاذ الاقتصاد ومواجهة احتمالات قطع المعونة الأمريكية ردًّا على محاكمة بعض الأمريكيين والمصريين في قضية التمويل الأجنبي، وكانت أعلى هذه الدعوات والمبادرات تلك التي أطلقها الداعية الشيخ محمد حسان، والتي تبناها الأزهر الشريف وأنشأ لها صندوقًا خاصًّا تحت مسمى "صندوق العزة والكرامة" والذي سيرأس مجلس أمنائه شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب، ويضم معه عددًا من الشخصيات العامة وخبراء اقتصاد وعلماء ورموزًا دينيةً إسلامية ومسيحية.
التبرع هو أسمى مراتب الدعم، ذلك أنه يتم دون انتظار لمقابل دنيوي، ولكن الناس يتفاوتون في قوة إيمانهم، ووضوح رؤيتهم، ومن هنا يصبح من الواجب طرح صيغ متنوعة لدعم الاقتصاد إلى جانب صيغة التبرع الخالص التي طرحها الشيخ حسان، والتي لاقت قبولاً من الكثيرين حتى الآن، ومن هذه الصيغ المناسبة صكوك الادخار، بهدف جمع مليارات الجنيهات من جيوب المصريين لتمويل مشروعات قومية بعينها، مع حصول أصحاب هذه الصكوك على ميزات مادية إلى جانب الثواب الأخروي وفقًا لنياتهم "فالأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى".
من الممكن أن نطلق على هذه الصكوك "صكوك العسرة" تيمنًا وتشبهًا بتمويل جيش العسرة الذي خرج لمحاربة الروم في غزوة تبوك، والتي صادفت حرًّا شديدًا وتعثرًا أشد في تجهيز الجيش، ولكنها في الوقت نفسه شهدت تنافسًا بين الصحابة والموسرين في تجهيز هذا الجيش؛ حيث تبرع أبو بكر الصديق بنصف ماله، فيما تبرع عمر بن الخطاب بنصف ماله، وجاء عبد الرحمن بن عوف بمائتي أوقية، وتبرع عثمان بن عفان بتجهيز ثلث الجيش بما يوازي ألف دينار، وقال عنه رسول الله صلى الله عليه "ما ضرَّ عثمان ما فعله بعد اليوم" وأنزل الله في حق أولئك المبادرين آيات تتلى إلى يوم القيامة (لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ) (التوبة: من الآية 117).
هناك فارق بين جيش العسرة واقتصاد العسرة، لكن كليهما يتساوى في "العسرة والتأزم"، ومن هنا فنحن نستحضر تجربة تمويل جيش العسرة؛ لنأخذ منها العبرة على قدرة الشعب على التمويل الذاتي في وقت قصير، وعبر عمليات تبرع لا تنتظر مقابلاً، ومع ذلك فالمطروح في هذا التصور ليس تبرعًا بلا مقابل، ولكنه نوع آخر من العطاء يعود على صاحبه بخيري الدنيا والآخرة، فهذه الصكوك وكما هو معمول به في تجارب سبقتنا مثل تجربة الصكوك الوطنية في دولة الإمارات العربية تتيح لحاملها عوائد سنوية، وإن كانت بسيطة، كما تتيح لهم المشاركة في سحوبات مالية شهرية وفصلية وسنوية، نقلت الكثيرين إلى مصاف المليونيرات؛ حيث تتفاوت جوائز السحوبات شهريًّا لتصل إلى مليون درهم، أي أن هذه الصكوك تصنع مليونيرًا جديدًا في كل شهر، وتبدأ المساهمة في تلك الصكوك بمائة درهم ومضاعفات ذلك حتى ملايين الدراهم، وتقوم الأسر بشراء صكوك لأبنائها، في عملية تشبه إلى حد كبير شهادات الاستثمار (المجموعة ج) التي يصدرها البنك المركزي ويقدم لحملتها جوائز مالية مقبولة شرعًا من معظم الفقهاء، علمًا بأن الصكوك الوطنية في الإمارات تخضع لرقابة هيئة شرعية يرأسها العلامة الدكتور حسين حامد حسان أبرز فقهاء الصيرفة الإسلامية حاليًّا.
من الممكن بل من المطلوب في حالة الصكوك المصرية المقترحة أن يتمتع حاملوها بميزات إضافية أهمها أولوية التقدم لأي فرص استثمارية جديدة، مثل طرح أراضٍ سكنية أو زراعية من قبل الدولة، أو طرح حصص للاكتتاب العام في بعض شركات القطاع العام، أو المشروعات الجديدة، في حدود ما يحوزونه من صكوك، على أن تتاح هذه الميزة أيضًا للمستثمرين العرب والأجانب مع مراعاة اعتبارات الأمن القومي.
أتوقع أن تتمكن هذه الحملة من جمع مليارات الجنيهات؛ لأن كثيرًا من المصريين لديهم فائض سيولة يبحثون له عن أوعية ادخارية أو استثمارية مناسبة، وقد شهدنا هذه السيولة تتدفق خلال الأيام الماضية على بنك الإسكان والتعمير لحجز قطع أراضٍ في المدن الجديدة؛ حيث تقدم 250 ألف مواطن لشراء كراسات الشروط لعدد 9880 قطعة فقط، وإذا كان كل متقدم يدفع عشرة آلاف جنيه كمقدم حجز فإن ذلك يعني جمع مليارين ونصف المليار جنيه خلال شهر واحد، ويمكن مضاعفة حصيلة الصكوك إذا تم الترويج لها في دول الخليج للمصريين والخليجيين أفرادًا أو هيئات.
قد يسارع البعض للطعن في هذه الفكرة كما فعلوا مع مبادرة الشيخ حسان بدعوى أن هذه الأموال التي ستجمع ستكون إنقاذًا للمجلس العسكري وتبييضًا لوجهه وليس إنقاذًا للاقتصاد الوطني، والرد بسيط؛ حيث إن جمع هذه الأموال عبر الاكتتاب في الصكوك سيتم عبر فترة زمنية ممتدة وسيكون المجلس العسكري قد ترك السلطة بنهاية يونيو المقبل حسب وعده، كما أن هذه الأطروحات سيتم تنظيمها عبر نظم وتشريعات يشارك في أعدادها البنك المركزي ومجلس الشعب حتى تذهب لمشروعات قومية بعينها، وتمنع أي طرف من استثمارها لصالحه.
مع كل التقدير والتأييد لمبادرة الشيخ حسان، ومع كل الآمال لنجاح فكرة الصكوك، يبقى الأصل هو الدعوة لزيادة وتحسين الإنتاج، ووقف هدر المال العام، والقضاء على الفساد المالي، وحث كبار الممولين لدفع ضرائبهم المتأخرة، وحسن إدارة الثروات والاقتصاد الوطني بشكل عام.