السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
أريد استشارتكم في أمر يؤرقني جدًّا، فأنا شاب عندي 29 سنة، وأعمل محاسبًا في القطاع الخاص، وأبحث عن زوجة منذ عام ونصف العام، واشترطت في عروستي أن تكون من العاملات في مجال الدعوة، وقد عُرض عليّ الكثير من الأخوات وخطبت مرة وأنهيت خطوبتي بعد شهرين.
وأنا الآن بصدد التقدم لأخت أخرى، والمشكلة عندي أني أتعرف سريعًا- بمجرد البحث عن أي أخت من الذين عرضوا عليّ- على كثير من العيوب التي قد أجدها كبيرة، مثل أن يكون أبوها بخيلاً أو هي نفسها عصبية، أو الأم هي المتحكمة في البيت أو أخوتها الذكور غير منضبطين أخلاقيًّا، بالرغم من أن البنات في نفس المنزل متدينات.
ما يخيفني من أن هناك مشكلة تربوية في المنزل، طبعًا أنا في مدينة صغيرة والناس تعرف بعض جيدًا، وأنا أسأل جيدًا جدًّا عن الأخت المرشحة لي في البلد وفي الجامعة.
المشكلة الآن أني تقدمت لأخت وجدت فيها معظم الصفات التي أريدها ويوجد بعض السلبيات؛ ولكني تغاضيت عنها مثل كون أخيها متعلمًا تعليمًا متوسطًا (أنا أخوتي كلهم وهم ستة ما بين أطباء أو مدرسين في الجامعة)، وكذلك والدها حالته المادية متواضعة ولكني نظرت للدين والعمل في ميدان الدعوة، غير أني بمجرد أن ذهبت إلى البيت أكثر من مرة- منهم مرة مع أمي وأخي- وجدت أن الأم شخصيتها أقوى من الأب، فهي المسيطرة على البيت، ووجدت أيضًا أنها- الأم- غير صريحة.
وكذلك موضوع الذوقيات في الكلام وتقديم واجب الضيافة ضعيف، وأنا الآن في حيرة من أمري هل أمضي قدمًا في خطبتي وأمني نفسي أن الفتاة لن تكون على شاكلة أمها أم أحجم، وعندما أفكر في الإحجام أفكر في أني أتقدم في العمر وتعبت من كثرة البحث، وأيضًا أنا أجد من البيت كله سعادة كبيرة جدًّا بي وخصوصًا الأم وأيضًا البنت أشعر أنها تكاد تطير من الفرحة عندما أزورهم؛ ولكنها لا تبدي ذلك لي!
أرجو أن تعينوني بآرائكم..
يجيب عنها: الدكتور أسامة يحيى الاستشاري الاجتماعي في (إخوان أون لاين):
إن الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
إنك يا بني تتردد كثيرًا وتنقب طويلاً.. فقد عرض عليك الكثير من الفتيات، ولم تحظ بواحدة منهن، فربما كان كثرة المعروض أمامك منهن أوقعك في حيرة أكبر، وهذا من أفدح أخطاء عرض فتيات كثيرات لشاب حتى يختار من بينهن من يريدها، وكأنه في سوق نخاسة يبتاع جارية.. ثم أنهيت خطوبتك بعد شهرين لتأصل صفة الكذب بخطيبتك فلك كل الحق في إنهائها، وتنقب طويلاً في صفات العروس وأهلها وتفتش عن عيوب من تقدمت إليهن وعيوب أهلهن ووجدت بعضها كعصبية العروس وبخل أبيها وسيطرة أمها وضعف انضباط إخوتها رغم تدين أخواتها فلم تتم الخطوبة وآثرت الانسحاب.
يا بني إن هذه السلبيات السالفة- للأسف- شائعة بين الناس اليوم، ولن تجد أسرة تخلو من بعض هذه المثالب المؤلمة إلا مَن رحم ربي، وهذا لا يعني أن هذه السلبيات صغيرة ويجب التغاضي عنها، ولكن هل في مقدورك وأنت تعمل في حقل الدعوة أن تستوعب هذه السلبيات وتتخطاها ببعض الحكمة والصبر؟.
أنت تسأل بطريقة تفصيلية جيدة جدًا عن الأخت المعروضة عليك وهذا شيء طيب مطلوب.. فكانت النتيجة الطبيعية جدًا لهذا "الفحص الجيد جدًا" أن ظهرت عيوب في العروس المرشحة لك.. وهل يخلو أحد من العيوب؟.. وعند الظهور الحتمي للعيوب توقفت وانكمشت وعدت من حيث أتيت.
وكأنك يا بني تنظر إلى العروس وأهلها بعين الذبابة التي لا تقع إلا على الفضلات، ولم تنظر إليهم بعين النحلة التي لا ترى إلا الزهور والورود، وكثير ممن هم على شاكلتك تأخر زواجهم وتقدمت أعمارهم فبدءوا يتنازلون عن بعض شروطهم، وعندما تزوجوا أخيرًا أفطروا على بصلة.
يا بني أنت في حاجة لتقليص شروطك، فلست بنبي لتبحث عن صحابية.. فهذا ليس زمن أنبياء وليس بهذا العصر صحابيات.
إن المتردد سيظل يسأل وسيحصل على إجابات متعددة، ولن يستقر على اتجاه معين، ولن يرتوي بإجابة محددة، وسيبحث عن مخارج وعيوب أكثر، فتزداد حيرته ويظل في مكانه عالقًا مترددًا.. فيكبر عمره ويتقدم سنه وهو ما زال واقفًا مترقبًا.
يا بني قد تميل شخصيتك إلى المثالية.. وهي أمر لا يوجد بحياتنا الدنيا.. فلا تضيع عمرك وتبدد جهدك في البحث عن غير الموجود فلن تجده.
يا بني قد تكون شخصيتك تميل إلى استخدام المنطق فقط في قياس الأمور، ولا يصلح زواجًا بني على المنطق فقط، فأين حظ الجانب العاطفي والنفسي، والارتياح القلبي والقبول الشكلي؟.
في أمر الزواج أنت من الذين أتعسهم علمه وأخرهم عمله، فأنت كمشرف بالجامعة اطلعت على بحيرة من قاعدة معلومات كبيرة حول الأخوات فغرقت فيها.. وما سينقذك منها إلا التخفف من أثقال شروطك والتركيز على بعض الأساسيات التي يبني عليها البيت الصالح والتي ليس من بينها بالقطع أخو الزوجة، لا بد وأن يكون حاصلاً على شهادة جامعية أو أن الحما يجب أن يكون ميسور الحال ماديًّا.
إن وجود تكافؤ اجتماعي بين العروسين وأهليهما لا شك أفضل في عدة أوجه، ولكن حينما لا يتوافر هذا التكافؤ الاجتماعي بالدرجة المطلوبة أمسى الأمر مضرًّا بالعلاقة الزوجية في حال ما إذا كان هناك تركيز في التفكير على وجود فوارق اجتماعية من أحد الزوجين وجعلها سبب لأي خلاف أو عدم اتفاق أو فرض آراء، أما إذا انعدم التفكير وبالتالي التأثر بوجود هذه الفوارق الاجتماعية- وهذا أمر شاق خاصة عند حدوث الشقاق- فلا بأس مطلقًا في إتمام الزواج.
إنك من الذين يضعون شروطًا قاسيةً في أمر الزواج واختيار العروس قد ترقى لتكون سطحية مثيرة للضحك كأخيها المتعلم تعليمًا متوسطًا!!، إن السعادة الزوجية والاستقرار بزواج ناجح ليس من شروطه أن يكون خال الأولاد قد تلقى تعليمًا جامعيًّا.. كما أنه ليس من شروط الزواج الفاشل أن يكون خال الأولاد تعليمه تعليمًا متوسطًا.
إن الزواج الناجح يتوقف على قدر مرونتنا العالية وقناعتنا المعتدلة وعادتنا البسيطة واهتماماتنا الكبيرة وأولوياتنا المتناسقة وانسجامنا معًا وتفهمنا لبعضنا واستمساكنا بقدسية زواجنا وتفانينا في إراحة شريكنا.
هم سعداء بك.. فبيت مَن تقدمت لها تحوطه سعادة كبيرة بك.. خاصة الأم (المسيطرة) والعروس التي تكاد تطير من الفرحة بزياراتك.. فهل أنت سعيد بهم مثل سعادتهم بك؟ وهل تذهب إلى زيارتها طائرًا من الفرحة مثلها؟ أم ماذا؟.
إن لم تكن سعيدًا بها فرحًا بزيارتك لها فلن تستطيع إعطاءها جرعتها المناسبة من العواطف، وستشعر هي بحاسة الأنثى أنك غير راغب بها، وما سوف يستتبع ذلك من شعورها بالضيق والحزن والألم، وما ينجم بعدها من مشكلات وأزمات.
يا بني.. أعط لنفسك فرصة مع الفتاة ولا تحجم وانظر إليها باحثًا عن الإيجابيات وستراها كثيرة وفيرة- بإذن الله- ولا تتشاءم، فلن تسيطر عليك عروسك إن أنت اتبعت معها ما ينعش أنوثتها ويريح بالها ويبعث في نفسها الارتياح والأمان.. ولن تكون كأمها إن خيم على البيت المودة والرحمة.
أسأل الله لك التوفيق والسداد.