منذ ثلاث سنوات بالتمام والكمال طلب مني أحد شيوخي وأساتذتي الأجلاء- رزقه الله طول العمر وحسن العمل ومتعه بالصحة والعافية- أن أكتب كتابًا عن فقه المقاصد في فكر الإمام الشهيد- بإذن الله تعالى- الشيخ حسن البنا- رحمه الله تعالى.
في البداية كان الأمر صعبًا عليَّ، ولولا حبي للإمام الشهيد أولاً، وحبي لشيخي ثانيًا ما تجاسرت على هذا العمل الصعب، خاصة أني لم أجد أحدًا- فيما أعلم والعلم لله من قبل ومن بعد- كتب في هذا الشأن.
واستعنت بالله تعالى وحاولت الإجابة عن هذا الأسئلة:
1- هل للإمام البنا- رحمه الله- دور واضح وملموس في علم المقاصد؟
2- وإن كان له دور فلماذا لم يذكر ضمن علماء المقاصد كغيره من العلماء أمثال العلامة ابن عاشور مثلاً وغيره من العلماء السابقين والتالين له؟!
3- وهل كتب كتابًا أو مقالة يتحدث فيها عن علم المقاصد حتى نعده من علماء المقاصد؟
وكانت المفاجأة لي شخصيًّا بعد العمل الجاد والمتواصل خلال سنة كاملة أو يزيد قليلاً، ومن خلال القراءة الواعية والفاحصة لكتاب واحد فقط مما كتب الشيخ الإمام وهو مجموعة الرسائل، وبعض الرسائل القليلة التي كتبها ولم تطبع مع كتاب الرسائل، وفي أكثر من ثلاثمائة صفحة تزعم هذه الدراسة أن للإمام البنا- رحمه الله- دورًا بارزًا وملموسًا، بل ومتميز في هذا العلم، وعلى القارئ أن يتحلى بالصبر حتى يقف على ذلك بنفسه من خلال هذا الكتاب.
والكتاب ما زال حبيس الأدراج والأجهزة منذ عامين لم يشأ الله بطباعته بعد، لأسباب كثيرة سأعفي القارئ من الانشغال بها، ولعل تأخره لما بعد الثورة المباركة كان خيرًا، والآن أعرضه محتسبًا لمن يريد طباعته طباعةً تليق بقدر الإمام وعلمه، لا أريد من ورائها مغنمًا إلا الأجر والثواب في الآخرة وكفى به أجرًا وغنيمةً إن رزقنا الله الإخلاص والقبول.
أما لماذا لم يذكر الإمام البنا ضمن علماء المقاصد على الرغم من الثورة الفكرية والفقهية حول علم المقاصد- خاصة في الثلاثين سنة الماضية- فهذا أمر يطول شرحه، وربما يحتاج لبحث خاص.
غير أني ألمحت إلى شيء من هذا في الفصل الثاني من هذه الدراسة، وحاصله أن حركية الرجل وعداء السلطان له، وتأسيسه جماعة ما زالت في خصومات سياسية حادة بين النظام (أقصد النظام البائد) أثرت عليه كعالم شرعي، وفقيه مقاصدي متميز.
إن كثيرًا من المثقفين، وبعض المتخصصين ينظر إلى الإمام البنا على أنه زعيم سياسي أسس جماعة تعارض السلطان، وقتل بسبب ذلك، ولا ينظر إلى هذا الرجل على أنه في الأصل والتكوين عالم وفقيه، والسياسة جزء من مشروعه الفكري.
ونحن- كشرقيين وإن كنا مسلمين- في الغالب لا نفرق بين العالم كثروة قومية يستفاد من أفكاره وعلومه ومشروعاته خاصة التي تفيد المجتمع في النواحي العلمية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها وبين خلافنا معه في الرأي حتى لو كانت مساحة الخلاف قليلة.
وما زالت مقولة (الحكمة ضالة المؤمن) ومقولة (نتعاون فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه) مقولات نظرية في الغالب الأعم لم تفعّل على المستوى العملي.
وأحسب أن الإمام البنا وغيره من العلماء سواء في جانب العلوم النظرية الاجتماعية، أو في جانب العلوم العملية لو نشأ عند غيرنا من غير المسلمين لأحسنوا الإفادة منه على الرغم من خلافهم العقدي معه، لكنهم يطبقون هذه المقولات تطبيقًا عمليًّا حتى لو لم يسمعوها أو يعرفوها نظريًّا.
أما لماذا لم يكتب الإمام البنا- رسالةً أو كتابًا- يعرف فيه بعلم المقاصد فهذا كما يخفى على طالب علم- فضلاً عن المتخصص- أن ثمة فرقًا واضحًا بين من يتحدث عن اللفظ أو المصطلح وبين من يعيش له وبه حتى لو لم يرد على لسانه.
فالصحابة- رضوان الله عليهم- لم يتحدثوا عن المقاصد، وكذلك فقهاء التابعين، والأئمة الأربعة وغيرهم ولا يشك دارس في أن فهمهم للمقاصد، واستيعابهم له، وعملهم به كان يفوق ما نحن عليه الآن.
وقد قُدِّمت أطروحات علمية عن الإمام مالك وابن تيمية وغيرهم ودورهم في علم المقاصد حتى لو لم يرد هذا اللفظ على ألسنتهم.
وقد قطع أستاذنا الدكتور محمد كمال إمام- متعه الله بالصحة والعافية- شوطًا كبيرًا في رصد ما كتب عن علم المقاصد منذ عصر التدوين إلى يوم الناس هذا، في موسوعة ماتعة نافعة- إن شاء الله- ربما تتجاوز الست مجلدات، وسيكون لهذا الجهد الطيب أثره في علم المقاصد في الفترة القادمة إن شاء الله.
وقد اطلعت على الأجزاء الأولى من هذه الموسوعة فلم أجد إشارة للإمام البنا ولعل أستاذنا معذور في ذلك فهو يرصد الواقع المكتوب، أو لعله قد كتب في الأجزاء التالية التي لم أطلع عليها.
وأحسب أن الإمام حسن البنا- رحمه الله- يختلف عن غيره من العلماء الذين عاصروه أو جاءوا بعده أو قبله في أنه لم يقف بالفكرة عند حد التنظير والتأصيل النظري، لكنه خطا بها خطوات فساح نحو التطبيق العملي، صحيح أن كثيرًا من أفكاره العملية لم يكتب الله لها النجاح والاستمرار إلى يومنا هذا، بخلاف أفكاره النظرية، ولهذا أسباب لا يمكننا الوقوف عندها الآن، لكنه يكفيه شرف السبق والتطبيق، ويبقى على أتباعه خاصة، والمسلمين عامة الإفادة من هذه المحاولات، والامتداد بها الامتداد المناسب في الواقع العملي.
فقد عاش الإمام البنا في فترة هامة من تاريخ أمتنا العربية والإسلامية، كانت الأمة فيها على مفترق طرق شتى بعد سقوط الخلافة الإسلامية سقوطًا رسميًّا سنة1924م، وإن كانت سقطت سقوطًا عمليًّا وفعليًّا قبل هذا بسنوات.
ومن هنا كانت الأمة الإسلامية بحاجة إلى من يرشدها ويذكرها بانتمائها المناسب، وبهويتها الإسلامية حتى لا تضل الطريق فتفقد الوعي والإدراك وتتفرق بها السبل.
وقد قام الإمام حسن البنا مع من سبقه من المصلحين كأمثال الإمام محمد عبده والأفغاني ورشيد رضا- رحمهم الله- بدور فاعل في تذكير الأمة بهويتها، والعودة بها إلى المنابع الصافية من القرآن الكريم والسنة والمطهرة.
غير أن البنا- رحمه الله- كما ذكرنا قبل قدم ملامح مشروع متكامل على المستوى النظري والمستوى العملي وهو ما نحاول الاقتراب منه والتعرف عليه من خلال هذه الدراسة.
وقد جاءت هذه الدراسة في مقدمة وسبعة فصول تحدثت في المقدمة عن أسباب اختيار هذا الموضوع، وطرح الأسئلة التي يهتم البحث بالإجابة عنها، ثم ذكرت في الفصل الأول تعريف المقاصد، وتفعيلها والدعوات المعاصرة لتجديدها، وجاء الفصل عن: العناية بالمقاصد عند الإمام البنا بصفة عامة، والفصل الثالث عن مقصد حفظ الدين عند الإمام البنا، والفصل الرابع: عن مقصد حفظ النفس، والفصل الخامس: عن حفظ العقل، والفصل السادس: عن مقصد حفظ النسل (النسب)، والفصل السابع: عن مقصد حفظ المال، ثم الخاتمة والتوصيات وكان من أهمها ما يلي:
1- بعد هذه الجولة التي قطعناها في فكر الشيخ حسن البنا لا نزعم أننا وفينا الرجل حقه
ذلك أننا اكتفينا بكتاب الرسائل فقط (في طبعاته القديمة) حتى لا يطول البحث ويخرج عن المساحة المحددة له، ولم نخرج عنه إلا في حالات نادرة جدًّا، والكتاب وإن كان- من وجهة نظري- أهم ما كتب الشيخ حسن البنا، ولكنه من المؤكد أن ما كتبه في غيره يعطي فكرة أعمق عن رؤية الشيخ للمقاصد عامة.
2- أن القصد من كتابة هذا البحث هو تحريك الماء الراكد وإثارة هذه القضية، ولا شك أنها ستكون كغيرها من الأفكار مثار قبول ورفض من العلماء والباحثين، ومراجعة لما كتب الرجل، وأعتقد أن هذا في غاية الأهمية أيا كانت النتائج التي يتوصل إليها.
3- يوصي الباحث أن يقوم العلماء والباحثون بدراسة الشيخ حسن البنا كعالم شرعي، وفقيه أصولي مقاصدي، وليس كزعيم سياسي وحركي فقط حتى تكتمل الصورة عن هذا الرجل ولا يظلم من العلماء كما ظلم من الأمراء والعلم رحم بين أهله.
4- أود أن تكون هذا الشخصية شخصية عامة وموطن دراسة الباحثين سواء أكانوا من أتباع الشيخ البنا أو من غير أتباعه، فالرجل محل إجماع لدى كثير من الناس في الدوائر العلمية وغيرها، فليكن تراثه ملكًا لأمته، وليفعّل هذا التراث، ويبحث له عن الأطر العملية لوضعه موضع التنفيذ، وهذه مسئولية كل العلماء وليست مسئولية جماعته، أو أتباعه فقط.
3- خطا الرجل خطوات عملية من خلال ما قام به من مشروعات محلية تعتمد على ما يدخره العامل الذي يكون شريكًا في العمل ينال من ربحه بالإضافة لما يأخذه من راتب، ولو توسعنا في هذه المشروعات الصغيرة أو المتوسطة، لكان لنا شأن آخر بين الأمم.
وهذه المشروعات وإن كانت صغيرة، بيد أنه يظهر فيها فقه الأولويات، ومراعاة الجانب المقاصدي من تنمية المال واستثماره، والترتيب الصحيح للضروريات والحاجيات والتحسينيات.
4- ركز الإمام البنا- رحمه الله- على أمرين غاية في الأهمية وهما:
أ- التخلي عن الغطاء الذهبي للنقود، وهذه مشكلة المشاكل في العالم كله بصفة عامة، والعربي والإسلامي بصفة خاصة، بعد أن استطاعت الدول الرأسمالية الكبرى أن تلغي هذا الغطاء الذهبي وتستبدل بها أشياء أخرى حتى تحكم سيطرتها وهيمنتها على الشعوب العربية والإسلامية، وقد حذر علماؤنا في الماضي والحاضر من مغبة التخلي عن غطاء الذهب.
ب- الأمر الثاني: سيطرة الشركات الأجنبية، وهيمنة رأس المال الأجنبي على الاقتصاد المحلي، وهذا ما نعاني منه الآن ونستطيع أن نقول إن الشعوب العربية والإسلامية قد استبدلت الاستعمار السياسي بالاستعمار الاقتصادي، وهو لا يقل خطرًا عن الاستعمار السياسي، بل إن الاستعمار السياسي يحفز الشعوب ويحثها على الثورة والانتفاض للتخلص من المستعمر، لكن الاستعمار الاقتصادي يضمن للمستعمر إحكام السيطرة والهيمنة على الشعوب فلا تقوى على شيء.
5- نريد لهذه الأفكار الموجودة في كتابات الإمام البنا- رحمه الله- وغيره ممن كتب عنه بالشرح أو التأصيل أن تأخذ طريقها للتطبيق العملي، وأن تكون أمام أصحاب القرار في العمل الجماعي خاصة، والعمل للإسلام بصفة عامة، حتى لا نكون من هذا الفريق الذي عاتبه الله تعالى في كتابه الكريم فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (3)﴾ (الصف).
6- هناك مساحات من فكر الإمام البنا- رحمه الله- تحتاج إلى بحث ودراسة، خاصة الجوانب الفقهية والشرعية في رسالة التعاليم وغيرها من الرسائل، وهذا واجب العلماء الشرعيين عامة، والمنتسبين إلى جماعة الإخوان المسلمين خاصة.
7- نود أن يرفع الحظر عن كتابة الرسائل العلمية عن هذا الرجل، ونتخلص من عقد الماضي، ليتحول الرجل إلى مشروع سياسي ودعوي وشرعي تستفيد منه الأمة العربية والإسلامية، ولو كان هذا الرجل عند غيرنا لاستفادوا وأفادوا منه فوائدة جمة.
8- نود أن يستقل البحث العلمي في عالمنا العربي والإسلامي عن الهيمنة الأمنية التي لا يمكنها بحال أن تنهض بالبحث العلمي، ولا يمكن للبحث العلمي أن ينهض تحت رقابتها وسيطرتها.
9- نوصي الكتاب في الفقه والشريعة بكافة فروعها ألا يغفلوا التعريفات المقاصدية، وأن يولوا حكمة التشريع ما تسحقه من العناية، وألا نقف عند حد التعريفات اللغوية والاصطلاحية وحدها، فهي على الرغم من أهميتها في البحث العلمي، لكنها في الغالب لا تعطي تصورًا عن حكمة التشريع، ولا تخاطب الروح والنفس الإنسانية.
10- بعد قيام الثورة المباركة التي نسأل الله أن يتمها على بلدنا الحبيب بكل خير لم يعد لأحد سواء من داخل الجماعة (جماعة الإخوان المسلمين)، ولا من خارجها أقصد عموم الإسلاميين الصادقين، والوطنيين المخلصين عذر في الاقتراب من فكر الإمام حسن البنا، والإفادة منها في الجوانب السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية والدينية وغيرها، فقد تحطمت الأصنام التي كانت تعبد من دون الله تعالى، وسقط هاجس الخوف، وانتفت كل العلل والمعاذير التي كانت تمنعنا من الاقتراب من الرجل خوفًا من سيف المعز، ورغبًا في ذهبه، وأصبحنا أمام هذه الثروة العظيمة والتراث الفقهي- الذي هو ملك للأمة العربية خاصة والإسلامية عامة- مسئولين عن حفظها وتعظيمها والإفادة منها.
11- أتمنى وأحلم وأرجو من المخلصين أن تكون هناك مدرسة، أو معهد علمي، يخرج فريقًا من الرموز الفقهية، وعددًا من القامات الشرعية على منهج الإمام توسعًا فيه وتفريعًا منه، مع الإفادة ممن سبقه كالشيخ محمد عبده والأفغاني وغيرهم، أو تلامذة الإمام كالغزالي رحمه الله والقرضاوي أمد الله في عمره، وغيرهم من العلماء المعاصرين؛ لنصل الماضي بالحاضر ونحسن العبور به إلا مستقبل آمن بإذن الله تعالى.
اللهم قد بلغت اللهم فاشهد
---------------------
* الأستاذ المشارك بكلية الشريعة جامعة الإنسانية ووكيل الجامعة للدراسات العليا