يستعد المصريون لمعركة رئيس الجمهورية القادم، الذي يبحث الجميع عن صفاته الكاملة، وعلاقته بالدستور القادم ومجلس الشعب والقوى الشعبية الكبرى، ومدى تأثيرها في اختياره، وهم يبحثون ذلك كله من منطلق الاعتقاد أن الرئيس القادم هو (المنقذ) لمصر من كل ما فيها من مساوئ وآفات.
إشكالية هذه النظرة- بحسب رأيي- أمران؛ الأول هو أنها نظرة نابعة من موروث ثقافي من المفترض أننا ثرنا عليه وهو الكمال في الأشخاص والبحث عن زعماء أفراد، كلما مات زعيم قام مكانه زعيم، وهو ما يتناقض بالكلية مع منطق دولة حكم الشعب التي لا يؤثر فيها زعيم ولا رئيس.
نستدل على ذلك بما تقوم به حملات المرشحين، كلهم بلا استثناء واحد من نزع صفات الزعامة والقدسية على مرشحيهم، ومشاركتهم الفاعلة في إحداث حالة من الاستقطاب الحاد للغاية، ويشارك في ذلك المرشحون الذين يجدون أنفسهم في تيار حماسي للغاية يكاد يجرفهم في تصريحات عدة ومواقف متكررة.
ويبرز هذا مع نظرتنا لزعماء عرب ومسلمين بنفس النظرة بالرغم من أن العين المتفحصة ستجدهم أناسًا عاديين يُخطئون ويصيبون، رغم أننا نشهد لهم بسلامة القصد والاجتهاد في الغاية بشكل سليم، ومثال ذلك رئيس وزراء تركيا رجب طيب أردوغان ورئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل، فكليهما ننظر إليه على أنه المنقذ، الملهم، الموهوب، الزعيم الذي يأسر القلوب، وكلها أمور خطيرة جدًّا على مجتمع من المفترض أنه ثار على قدسية الأفراد والزعامات المصطنعة، ولكن الشعب المصري الذي يتحقق فيه بيت الشعر القائل:
وعين الرضا عن كل عيبٍ كليلة ولكن عين السخط تبدي المساويا
الأمر الآخر في هذه الإشكالية هي ماذا بعد انتخاب الرئيس؟، وهي أيضًا بدورها مشكلة مزدوجة، فمن ناحيةٍ فإن الشعب المصري تعوَّد على أنه يتحمس لأمرٍ ما فيرتفع منحنى حماسه لأقصى مداه فيحقق ما يريد ثم تجده هابطًا لأدنى مستوياته، والمعنى أن الحماسة التي تجرفنا في معركة انتخابات الرئاسة رغم جمالها ورونقها إلا أنها غير مطلوبة بهذه القوة وبهذا العنف، ووجب ترشيدها لئلا تنضب سريعًا.
وهذا يجرنا إلى الناحية الأخرى من هذه الإشكالية، لأن الحديث عن نضوب الطاقة هو أساس الحديث عما هو بعد انتخاب الرئيس؛ لأن المعركة طويلة للغاية ولن تنتهي بمجرد وجود رئيس قوي وحكومة قوية ومجلس شعب قوي؛ لأن إشكالية إرث الرئيس القادم هي أنه ورث دولة ملوك الطوائف.
وما أعنيه بملوك الطوائف هو أن مصر ليست واحدة بل هي عدة دول داخلية، تتقاطع مع بعضها في بعض المصالح، وتخضع لارتباطات داخلية وخارجية سياسية ذات خلفية اقتصادية.
ولشرح ذلك نقول إنه توجد دولة للعسكر، لها كيانات اقتصادية ضخمة للغاية في داخل مصر، مدنية قبل أن تكون عسكرية، وهذه الكيانات تربط العسكر بمصالح اقتصادية داخلية وخارجية كبيرة، ناهيك طبعًا عن المصالح العائدة من خلف الاقتصاد العسكري وارتباطه بالقوى الخارجية المعروفة.
وهناك دولة الأمن والداخلية التي كانت تمسك مصر من عنقها، وأظن أنها ما زالت تمسكها من عنقها بتنازلها المفرط عن القيام بدورها في حفظ الأمن، فهي بين الإفراط والتفريط تعيش وتجعل مصر تعيش، وهذه الدولة منظمة بنظام عسكري شديد التعقيد، وكوَّن كثيرًا من الأنظمة المساعدة التي يضرب بها عمق الدولة المصرية التي نريد بنايتها، كجهاز البلطجي، وجهاز أمناء الشرطة وغيرها، وهي أيضًا لها مصالحها الاقتصادية الداخلية والخارجية، والتي كشف عن بعضها كما جرى الكشف عن تجارة الأعضاء البشرية وتجارة السلاح التي تورطت فيها قيادات أمنية.
ودولة رجال الأعمال، وهي الدولة التي تملك موارد مالية ضخمة تملك بها التأثير في القرار الاقتصادي لمصر عن طريق شبكة رجال الأعمال التي تتحرك في المجال الاقتصادي بشكل ضاغط على القرار السياسي المصري؛ حيث يحاولون منع إقرار القوانين المانعة من استشراء الفساد الإداري للدولة، والذي كانوا يستغلونه بشكل كبير في امتصاص موارد الدولة لصالحهم الخاص، وهم أيضًا يرتبطون بشكلٍ غير مباشر بمصالح خارجية؛ حيث يتحركون ليحققوا المصالح الاقتصادية الضخمة لدول الغرب في مصر والمنطقة، يساعدهم في ذلك فضائيات تُموَّل تمويلاً ضخمًا تتوجه نحو التأثير في الإرادة الشعبية لصالحهم بأساليب غاية في المكر والدهاء.
هذه الدول والطوائف كل منها دولة مستقلة، ربما تجتمع في بعض الأمور وتتقاطع في أمور أخرى، ولكنها كيانات قائمة بذاتها، فهي دول كاملة داخل الدولة، وستحارب بشكلٍ عنيف لمنع الثورة من الاقتراب منهم ومن مصالحهم بكل شكلٍ وبكل طريقة.
ولهذا نقول إننا بحاجةٍ لرصيد كافٍ بعد انتخابات الرئاسة لإسقاط هذه الدول، فهي جوهر النظام البائد الذي أسقطنا رءوسه فقط، والتي كانت تمثل حجر الزاوية التي تلتقي عنده كل هذه الدول.
إن الرئيس القادم والحكومة القادمة ومجلس الشعب والشورى القائمين بحاجةٍ إلى رصيد من الحماس لدينا؛ لأن معركتنا طويلة عنيفة للغاية، وإن ما مضى لا يمثل شيئًا فيما هو قادم من معارك، فالحرية التي تنسمنا بعض عبيرها بستان كبير لم نر حتى الآن إلا قليلاً منه، وحتى نحصل عليه كاملاً فلا بد من مزيدٍ من القوة ومزيد من الحماس ومزيد من العمل ومزيد من الحكمة ومزيد من التضحية.
إلى المرشحين جميعًا، لا تشاركوا في مخطط إنهاك مصر بمعركة الرئاسة، فما بعدها أعظم وأكثر شرًّا.
وإلى الحملات جميعها، مصر هي الغاية والهدف، ومصر هي النهاية المرجوة، مصر التي بتنا ثماني عشرة ليلة نحلم بها خضراء غنَّاء بكرامتنا وقوتنا وعزتنا، فلا تضيعوها بانشغالاتٍ أقل منها.