عندما صرَّحت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بأنها ستبحث مع المعارضة عن مرشح رئاسي توافقي بعد استقالة رئيس البلاد؛ وذلك للتفرغ لمعاجلة مشكلات وطنها الاقتصادية، لم يتم تدشين حملة ضد بحثها عن التوافق من أجل الوطن.
أما في مصر فقد تابعنا تصريحات وبيانات متسارعة تواكبت مع أغراض صحفية غير سياسية ضد مطلب "المرشح التوافقي الرئاسي".
أغرب الأوصاف جاءت من "الفل الكبير صاحب البلوفر" الذي كان يجب أن يقبع خلف الأسوار على خلفية الإحالة إلى المحاكمة في البلاغات التي قدمت ضده إلى النائب العام ولم تتحرك حتى الآن لأسباب غير معلومة وغير مبررة، فيما تسارع البعض الآخر لحسابات انتخابية قد يكون مخطئًا فيها أو مصيبًا، ولكنها من وجهة نظري غير موفقة.
وأمامنا جميعًا مشهد الاستفتاء على التعديلات الدستورية في 19 مارس 2011م، والذي انفصل فيه من أعلن ترشحه للرئاسة عن الشارع، انحيازًا لنخبة ثبت أنها في واد وما يحتاجه الشعب في واد آخر، وبالتالي فإن الاستمرار في الهجوم على محاولات التوافق التي ينشدها المجتمع، بعيدًا عن التشرذم والتناحر، في غير محلها.
أنا أفهم أن يتحرك المرشحون جميعًا لحوز ثقة المجتمع وقواه السياسية ذات الثقل الجماهيري، وإثبات أنهم محل التوافق من أكبر نسبة من الناخبين في هذه المرحلة الانتقالية، ولكن لا أقتنع بمبرر واحد من مبررات تدشين حملات موزاية للحملات الانتخابية تهدم "التوافق" وتسويقه على أنه أداة أسر وخطف، رغم أن قراءة المشهد الانتخابي في انتخابات غرفتي البرلمان لا تحتاج إلى عنترية جديدة أو اجتراء أو قفز على حقائق خطها الشارع المصري.
إن تجربة البرلمان التي أصرَّ فيها حزب الحرية والعدالة صاحب الأكثرية على إقرار التوافق في صبر وحكمة واقتدار، فخط مشهد برلماني جدير بالاحتفاء شارك فيه الجميع بناءً علي الكفاءة والأرضية الشعبية والانتخابات، وهو مشهد تجاهله أعداء النجاح في وسائل الإعلام المريضة؛ حتى يشوِّشوا على المجتهدين بعد أن مُني أصحاب هذه الدكاكين اللا إعلامية بفشل انتخابي ذريع.
إن الشعب المصري بات صاحب الكلمة والسيادة والقرار، ومحاولات البعض لفرض وصاية عليه، والتقليل من قدراته على الفرز الانتخابي، تحت زعم أن "التوافق" يشل اختيارات الشعب؛ أمر غير إيجابي وخاطئ وغير مفيد لحملات المرشحين إذا كان يصرون على حسم الفوز لصالحهم في هذا الاستحقاق الانتخابي ذات الدلالات العميقة في المشهد الثوري بعد 25 يناير.
ومن هنا نقول: إن توافق البعض على مرشح بعينه لا يعني خصمًا من صلاحياته أو مهامه، كما يروّج البعض؛ لأن الدستور هو الذي يحدد هذه الصلاحيات وحده دون منازع، والقوى الوطنية جميعًا هي التي ستحدد هذه الصلاحيات، ولن ينفرد بها فصيل بعينه.
إن محاولات البحث عن "مرشح توافقي قوي" لا يجب أن تدفع بعض شركاء الثورة للهجوم على "التوافق" ذاته، وإلصاق التهم به، فليس معنى أننا بصدد معركة انتخابية تصل بفائز واحد إلى كرسي الرئاسة أن نخسر التوافق الوطني ونهاجم بعضنا بعضًا مجددًا، فمصر بحاجة إلى الجميع وجهودهم من أجل الوصول إلى النجاح الكامل للثورة.
وبمعنى آخر نقول: إذا كانت الكلمة في الصندوق، والقرار من الناخبين، فما الداعي للقلق من إعلان البعض لاختيار مرشح قوي أمين يتوافقون عليه؟! وما السبب في الخلط بين المسميات التي لا تعجب البعض وبين جوهر الفكرة؟!!
إن التوافق في هذه المرحلة أظن أنه صمام أمن للثورة من أعدائها؛ لخلق مؤسسات ثورية متناغمة، تساعد على استكمال تحقيق بقية أهداف الثورة التي لم يفِ بها المجلس العسكري أو بالأحرى فشل ورسب؛ لأنه تصدَّى لميدان غير ميدانه الأصلي، أما المرشح التوافقي فهو في نهاية المطاف مرشح، وصاحب الفصل في قبوله من عدمه هو الشعب.
إن واجب الوقت على جميع المرشحين هو النزول إلى الشارع، والتواصل المباشر مع الشعب، بعيدًا عن الفضائيات التي أصابت لعنتها أحزاب ظنت أنه بشاشة، ومذيع تستطيع حصد أصوات الناخبين.
وفي النهاية أي كان المرشح الفائز، طالما أنه ليس من الفلول، فهو فوز للثورة التي تفجرت لتعيد بناء دولة القانون والمؤسسات في مصر، وتعيد "العسكر" إلى ثكناتهم بعد أن خرجوا منها في عام 1952، وتقر الحقوق الاجتماعية والسياسية والاقتصادية لجميع المصريين، وتستكمل بناء مؤسسات مصر على أسس نزيهة وقوية.