ذات يوم بينما الأمة الإسلامية يلفُّها الضعف والانقسام والحروب العالمية التي تستقطب فيها فتستنزف قواها، في الوقت الذي يتم التدبير فيه لقيام الكيان الصهيوني على أيدي قوى الظلام- والتي ما زالت حتى الآن تعيث في الأرض الفساد وتنشر فيه الإرهاب المنظم الذي تصنعه بليل وتنشره في أنحاء العالم نهارًا جهارًا على مرأى ومسمع من الجميع، بل بمساعدتهم في معظم الأحيان- ذهبت مجموعة من زعماء الصهاينة إلى السلطان عبد الحميد الثاني سلطان الدولة الإسلامية المترامية الأطراف ليساوموه على أرض فلسطين ويعرضوا عليه كل المغريات من أموال طائلة وتسديد ديون الدولة مقابل حق تملك أراضي فلسطين!!.

 

فردَّ عليهم السلطان عبد الحميد الردَّ الشهير بأن أرض فلسطين هي وقف إسلامي وهي حق لكل مسلم، وأنه لا يملك حق التصرف فيها ولا يملك إلا أن يموت دونها، فما كان من الصهاينة إلا التآمر مع كل القوى العالمية لإسقاط الخلافة الإسلامية التي طالما حمت الإسلام وأمته في رحابها، وقامت بتمزيق العالم الإسلامي إلى دويلات صغيرة قسَّمها الاستعمار الغاشم وحاول فرض هويَّته عليه.

 

وتوالت اعتداءات الصهاينة على أرض فلسطين الحبيبة؛ حتى وصلت الحال إلى ما نحن عليه اليوم، فبينما يصل الحال بالمسلمين إلى الغفلة عما يحدث للمقدسات الإسلامية في كل شبر من أرض فلسطين، بما هم فيه من مقاومة لرءوس الفساد ولأذناب الاستعمار من حكام وضعوهم على رءوس الشعوب؛ كي يضمنوا وجودهم المعنوي ومصالحهم في امتصاص خيرات الشعوب على أيدي هؤلاء.

 

واليوم وفي ظل تلك التغيرات على الساحة العربية والإسلامية، بل والعالمية، نجد أن الكيان الصهيوني الغادر يستغلُّ حالة الفوضى السارية ليفعل كل ما بوسعه من تدمير وإذلال وحفائر تحت المسجد الأقصى كذلك، تحت سمع العالم وبصره.

 

ونجد في الوقت الذي تدمر فيه العراق وسوريا والسودان، وفي الوقت الذي تثار فيه القلاقل والمؤامرات في مصر، يغضُّ العالم طرفه عما يُفعل بأهلنا في فلسطين وما يفعل بمقدساتنا في كل شبر منها، وها هي غزة الأبيَّة يموت فيها المواليد في الحضانات؛ بسبب انقطاع التيار الكهربائي، وتوشك أن تقع غزة كلها في كارثة إنسانية؛ بسبب الحصار الجائر الذي يفرضه الصهاينة المحتلون عليهم.

 

تغرق غزة في الظلام والبرد والتجويع، بينما ما زال هناك من الحكام المسلمين من ينعمون في قصورهم ويصافحون رءوس الصهاينة في مؤامرات تسليم لكل عزيز على تلك الأمة، وما زال هناك من المسئولين من يستنكر أن تجمع بعض التبرعات لهؤلاء الإخوة المسجونين في بلادهم؛ خوفًا من أسيادهم في تل أبيب والبيت الأبيض.

 

ثم لماذا جمع التبرعات؟! إنها قضية تخص كل مسلم، وهي فريضة علينا وفي رقابنا إلى يوم الدين، حماية تلك البلاد المسلمة، واسترجاع كل شبر فيها، وعلى من يرغب في البقاء فيها فليكن تحت مظلة حكم الإسلام.. إنها فريضة علينا إطعام أهلها فهم جيران وإخوان في العقيدة والوطن، ففلسطين ليست ملكًا للفلسطينيين، وإنما هي ملك لكل مسلم، ألا يدري هؤلاء أن كل طفل يموت فيها جوعًا أو قتلاً أو مرضًا هو في رقابنا، وسوف نلقى الله ونحن عنهم مسئولون؟

 

إنهم اليوم كعادتهم يحاولون تجزئة القضية وحصرها في قطع الكهرباء والحصار المدمر وبعض الغارات الجوية فيكون همّنا هو تهريب بعض الأطعمة أو الأغطية أو الأدوية فنشعر ساعتها أننا قد أدينا ما هو واجب علينا.. إن القضية هي أخطر وأعم وأشمل.. إن القضية هي قضية أرض ومقدسات وأرواح تُحصد كل يوم دون جريرة إلا أنها ترفض أن تبيع الوطن وتأبي إلا الصمود، والواجب علينا الآن أن نتوحد وأن نفهم ما يراد بنا، وأن نأخذ الحقوق بالقوة فلا حق عاد يومًا بالمفاوضات ولا أرض حُررت يومًا بالاستجداء، إن الحق لا بد من أن تحميه القوة، والقوة في الوحدة التي حثنا عليها دين ربنا.. (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا) (آل عمران: 103)، ونحن لا نريد إعادة الكهرباء لغزة، وإنما نريد لغزة أن تعود لحضن فلسطين المحررة شبرًا شبرًا وتعود فلسطين لقلب العروبة، والإسلام جزء منها، ولا يمكن أبدًا التفريط فيه أو التخلي عنه.