تمثل المعونة الأمريكية 57% من إجمالي ما تحصل عليه مصر من معونات ومنح دولية، سواء من الاتحاد الأوروبي واليابان وغيرهما، وهذا المبلغ لا يتجاوز 2% من إجمالي الدخل القومي المصري، وتصل قيمة هذه المعونات إلى 2.1 مليار دولار، منها 815 مليون دولار معونة اقتصادية، و1.3 مليار دولار معونة عسكرية.
وتتلقي مصر هذه المعونة من الولايات المتحدة الأمريكية في أعقاب توقيع اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية عام (1979م)، وكانت الولايات المتحدة تقوم بإرسال كميات من القمح إلى مصر كتعبير عن حسن النوايا منذ عام (1953) كشكل من أشكال المعونة الأمريكية، وكانت بدوافع إنسانية في ظاهرها وسياسي في باطنها، وكانت هذه المعونات متقطعة وغير محدده خلال تلك السنوات حتى تم توقيع اتفاقية السلام بين مصر والصهاينة، وتقوم أمريكا بسداد هذه المعونة في شكل سلع وخدمات عسكرية كمعدات وأسلحة وقطع غيار، وخدمات استشارية وتدريبية وليست معونة نقدية كما تحصل عليها تل أبيب!.
والتلويح بقطع المعونة الأمريكية بعد الأزمة التي نشبت مؤخرًا بين مصر والولايات المتحدة الأمريكية حول تمويل منظمات المجتمع المدني لم تكن المرة الأولى، ولن تكون الأخيرة، فدائمًا ما تستخدمها الولايات المتحدة الأمريكية كورقة ضغط على مصر لتحقيق مصالحها السياسية، وكأداة للنفوذ الأمريكي والهيمنة السياسية والاقتصادية على مصر خلال 59 عامًّا الماضية، وبعد قيام ثورة 25 يناير المجيدة استرد الشعب المصري كرامته وحريته، لذلك علينا أن نقول لهم كفى عند هذا الحد، وعلينا أن نوقف أكذوبة المساعدات الأمريكية، ولكن بشرط سعي الشعب إلى الإنتاج والعمل على النهوض بمصر اقتصاديًّا.
فعندما أطلق الشيخ محمد حسان الداعية الإسلامي مبادرة تحت عنوان (المعونة المصرية للاستغناء عن المعونة الأمريكية) وَجَدَ أن هناك استجابةً سريعةً من الشعب المصري للمشاركة في تلك المبادرة، وقال الشيخ حسان إنه يثق في الشعب المصري، وأنه سيجمع أضعاف ضعاف ما يأتي من تلك المعونة؛ حيث إن كل فئات المجتمع ستشارك في هذه المبادرة، مشيرًا إلى أنه سيتم العمل على البدء في المبادرة بالاتفاق مع الشيخ أحمد الطيب شيخ الأزهر، واتفقا بالفعل على إنشاء صندوق العزة والكرامة برأسمال يستهدف من 500 إلى 1000 مليار جنيه.
وقرر شيخ الأزهر تفعيل المبادرة على أرض الواقع من خلال إنشاء صندوق بالأزهر يتم جمع الأموال من خلاله وتوجيهها لصالح البلاد، وقال الدكتور أحمد الطيب: إن هذه المبادرة بمثابة رد فعل الشعب المصري على المحاولات الأمريكية المستمرة والمتزايدة منذ ثورة يناير للضغط على الإدارة الجديدة في مصر؛ لتوسيع مساحة الدور والنفوذ الأمريكي بعد الثورة، والتدخل في الأوضاع في مصر، والتلويح بورقة المعونة الأمريكية، مناشدًا جميع المصريين في الداخل والخارج التجاوب مع تلك المبادرة.
والتفاعل مع تلك المبادرة بدأ بالفعل من قبل أن تدخل المبادرة حيز التنفيذ؛ ليثبت أن الشعب المصري قادر على التحرر من هذه التبعية بعد ثورته المجيدة، وأنه أصبح واثقًا وقادرًا على أن يراقب ويحاسب الحكومة على كل جنيه مصري يدخل خزينة الدولة، وفيما تنفقه عن طريق البرلمان الذي انتخبه الشعب المصري بإرادته الحرة؛ ليكون ممثلاً عنه ومدافعًا عن حقوقه ومقدراته.
فعندما تعلن مصر رسميًّا الاستغناء عن تلك المعونة من طرفها أعتقد عندها ستتغير نظرة العالم لنا، وإذا أصرَّ الشعب المصري على رفض المعونة وكسر الوصاية والهيمنة الأمريكية على صناعة القرار المصري فإن ذلك سيحرر مصر من الإملاءات الأمريكية، وستخسر أمريكا ومن معها أكثر مما قد تخسره مصر، ويعد أيضًا إيذانًا بانتهاء عصر السلطات العربية المنبطحة تحت أقدام أمريكا.
وعلينا أن نعلم جيدًا أننا إذا رفضنا المعونة الأمريكية فلن تقبل الولايات المتحدة الأمريكية إلغاء المعونة، فهي تهدد ولا تستطيع أن تنفذ حتى لا تخسر مصالحها السياسية والإستراتيجية في المنطقة، ولتحفظ أمن إسرائيل بالتزام مصر بمعاهدة كامب ديفيد؛ ولأن الولايات المتحدة لا يمكن أن تقدم أية معونات إلا إذا أدركت أنها تصب في صالح الأمن القومي الأمريكي، لذلك أصبح وجود المعونة الأمريكية لمصر أمر عبثي وغير مقبول، فالشعب المصري بعد الثورة لن يسمح لأحد بالمساس بالسيادة المصرية عبر التلويح بقطع مساعدات هي في الأصل عبارة عن مصالح مشتركة وليست هبة من الولايات المتحدة!.
------------------------------------