الحمد لله، والصلاة والسلام على سيد الأئمة والدعاة وخاتم الأنبياء، وبعد..

في ذكرى استشهاد الإمام الشهيد حسن البنا، رحمه الله وتقبَّل جهده وجهاده، يتذكر الإخوان جميعًا أصول دعوتهم الضاربة في جذور البشرية بأنبيائها المرسلين منذ آدم عليه السلام، ويتذكرون ثمار دعوة الحق والقوة والحرية.

 

يتذكرون رصيد تجربة رائدة لمعية الله تعالى والمسير وفق منهجه وشرعته على مرِّ عصور التاريخ, يتذكرون النكبات التي مرت بالمسيرة البشرية بفعل البشر وانحرافهم عن فطرتهم وبعدهم عن ربهم ومنهاجه، وكلما جاء مجدد نفضوا غبار التبعية والشهوانية واستقاموا على الطريقة السمحاء فمكَّنهم الله من النصر والعزة، كل ذلك ألهم الشهيد المرشد الأول الإمام حسن البنا رحمه الله لينهض بنفسية الأمة ويخاطب ضمائر رجالها، ويرسم لهم خطوات السير إلى عزة الدنيا ونعيم الآخرة.. "إلى الإسلام أيها الحيارى.. إلى الإسلام أيها التائهون..".

 

ويقول لمَن استجاب: "أنتم روح جديد يسري في قلوب هذه الأمة، فيحييها بالقرآن، ونور جديد يُشرق فيبدِّد ظلام المادة بنور الإيمان، وصوت عالٍ يعلو مرددًا دعوةَ الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم".

 

يتذكر أبناء الصف في ذكرى الإمام عهودًا ومواثيق اختصهم الله بها، قضى مَن قضى ثابتًا عليها، تاركًا الراية مرفوعةً بالأمل واليقين لمَن بعده، فصاحب الدعوة يعيش حالةً دائمةً من الوفاء لا تنفك عنه ولا ينفك عنها وفاءً لا غدرَ فيه ولا تلون لأصحاب الفضل عليه، فيحمد الله تعالى: الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وبعد الله تعالى يفي لمَن جاءت هدايته على أيديهم من الرسل والأنبياء وحملة لوائهم من المجددين والمصلحين والدعاة إلى يومنا هذا، ويفي لمَن قام على صياغته وتعليمة وتربيته.

 

ولولا هذه الدعوة المباركة الربانية لكان هملاً لا قيمةَ له أو رايةً للباطل وصوتًا للفساد، فالوفاء واجب لعهود مع الله تعالى.. (إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله) (الفتح)، وكان أحد أسلافنا من التابعين يقول: "والله ما عاهدتُ الله عهدًا فنكثته"، إن عهودَ أصحاب الدعوات عهود وراثة نبوة، "لا تزال طائفةٌ من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم مَن خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك".

 

إن الوفاء بصوره المختلفة وحين تتطلبه المواقف شيمة المخلصين، يؤدونه أداء الدين، فكم سهرت أعين لتصبح أفضل إنسانٍ في مهنتك ومجتمعك حتى سرت مرجعًا لكل من حولك ومستودع أسرارهم ومصدر مشورتهم وصانع قرارهم وأسرتك لتصبح الزوج الصحيح والأب الرشيد والثائر الحر الصامد المعتدل الحكيم.

 

إن الدعوة التي طاف بها البنا القرى والنجوع وخاطب بها الأمم والشعوب وراسل بها السلاطين والأمراء والملوك ثابتة بثبات الكتاب والسنة، راسخة برسوخهما، باقية ببقائهما، فهي صدى الكتاب ونداء السنة ومحتوى المنهاج والشريعة، كم تعبت أيادٍ حملتك في مهد دعوتك أرضعتك القيم وغنَّت لك أغاني الثبات والرجولة والبطولة والجهاد، وهدهدتك بالأذكار والدعوات والمأثورات ولفتك بالأوراد والعبادات كم من لسان رطب دعا لك بالثبات والصلاح، وتمنى أن تكون فتنى الإسلام وأمل الأمة، وتلى عليك العلم والفقه وأسسس الفكر الشامل.

 

في يوم ذكرى استشهاد البنا الذي أحيا قلوب بشهادته، وأيقظ أمة بهمته وربَّى جيلاً برمته ظهرت من بعده هامات بالدين مرفوعة ووساحات للجهاد ممدودة عمَّت الأرض كما أراد الله لها، وضع لنا أهدافًا كان غيرنا يقول عنها هيهات هيهات.

 

وعلمنا ألا نقبل عليها مساومات ولا تنازلات؛ لأنها وبوضوح مرادات الله من عباده الفرد المسلم والأسرة المسلمة والمجتمع المسلم والدولة والحكومة المسلمة ثم الخلافة الراشدة في وحدة للمسلمين شاملة تحقق بعد ذلك تصدير الخير والرحمة للعالمين تتمثل في أستاذية منهج التوحيد لمناهج الأرض أجمعين ويتحقق قوله تعالى: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) وقال: أحلام اليوم حقائق الغد، وصدق الله لنا وعده ونصر عبده وأعز جنده.

 

إن الوفاء لهذه اليقينيات التي تحققت بعد انتظارٍ أن نستكمل مسيرتها، ملتفين حول فكرتنا بائعين الدنيا بالدين، واهبين ما بقي من عمرنا على الحق الذي تحملناه مستضعفين، ونتحمل التبعات والمسئوليات من أجله ونحن منتصرون، ونحن في شدتنا ونصرنا نهتف: "الله غايتنا، والرسول قدوتنا، والقرآن دستورنا، والجهاد سبيلنا، والموت في سبيل الله أسمى أمانينا".

 

كم من لبسٍ أزاله البنا عن الكتاب والسنة، وكم من مفاهيم غائبة أوجدها، ومن كنوزهما أخرجها، وكم من مغلوط القول وترهات الفكر حاربها وأنكرها لتخلص فكرتنا الإسلامية.. واضحة أبين من فلق الصبح، كلما عاداها معادٍ هلك، وكلما تعجل ثمرتها متعجل فشل، وكلما انحرف عن هدي الله فيها ورسوله متنطع أو مغال غلب تنطع المتنطعون، فقال: اتركوهم فسينتهون إلى حيث ابتدأنا، وكان تشدد المتشددين فكان لسان الدعوة الصارم: دعاة لا قضاة.

 

إن الداعية الوفي النقي ليتذكر عند كل غروب أيام عهده وأصفياء صحبه ورفقاء دربه؛ فإن كان فارقهم حنَّ للقائهم 

إخواني إخواني دول أهلي وخلاني   أفديهم بعنيَّا وحياتي ووجداني

حبوني وحبتهم يا حلاوة عشرتهم   دي الشوكة إلى تصبهم تألمني وتألمهم

 

أو يردد: تآخت على الله أرواحنا  إخاءً يروع بناء الزمن، يردِّد داعيًا لهم: "اللهم إنك تعلم أن هذه القلوب قد اجتمعت على محبتك والتقت على طاعتك وتوحدت على دعوتك وتعاهدت على نصرة شريعتك، فوثق اللهم رابطتها وأدم ودها واهدها سبلها وأملأها بنورك الذي لا يخبو واشرح صدورها بفيض الإيمان بك وجميل التوكل عليك وأحيها بمعرفتك وأمتها على الشهادة في سبيلك، إنك نعم المولى ونعم النصير بالله عليكم أيعرف أحد في العالمين معاني هذه الكلمات غيركم؟ وإنها لسرٌّ ألهمه الله للإمام البنا أصبح مجمعًا للقلوب التوَّاقة إلى لقاء ربها في أعلى الجنة.

 

إن أخوتنا ووحدتنا من الوفاء لديننا وللبنا في ذكرى استشهاده الجليلة.. إن لأداء الدين ألوانًا وأشكالاً قد يتطلَّب منك ثباتًا في شدة، أو صبرًا على محنة، أو تنازلاً للوحدة، أو غفرانًا عن غفلة من أخيك أو سهوة، وقد يكون أداء الدين ولون الوفاء مشروعًا لنهضة تسهر عليه ويمتلك عليك خلجات نفسك وتنسى فيه مالك وأهلك.

 

ومن ألوان الوفاء أن نعيش كما تعلمنا زمرة قلب واحد، فلنحرص على تنقية قلوبنا وتطهيرها ليبقى فيها فقط حب الله ومن والاه، وقد يكون شكل الأداء الآن راية تحملها تمحو بها زيف الزائفين وجهل الجاهلين بدعوتك وترد بها أباطيل المبطلين الكاذبين على دينك ومنهجك.

 

فلا يصح أن يكون ممن هو فى صحبتك أو جيرانك ومحيط تعاملاتك من يجهل دعوة الإسلام وجهود المجددين وآخرهم إلى الآن حسن البنا رحمه الله، من الوفاء تعريف الناس به بالمنهج العظيم الذي جدده وأيقظ به الأمة وكم تواضع وصادر كل تمجيد لشخصه أو تقديس لذاته أو تشبيه له بالصحابة أو التابعين.

 

فهذا الجاح عباس السيسي يحكي أن البنا يومًا جلس بجواره في سرادق كبير أعد لمؤتمر حاشد وكانت هناك صورة للبنا على الحائط، فقال له: لمن هذه الصورة؟ قال لحسن البنا، قال: ومن أنا؟ قال: حسن البنا، قال: وإذا كان الأصل موجودًا فم الصورة؟ قم فأنزلها من فضلك.

 

ولما ذكر أحد المتحدثين تشبيهًا للإمام وهو بين إخوانه بالنبي صلى الله عليه وسلم بين أصحابه قام مسرعًا وأوقفه وصحَّح للناس قائلاً: لقد خان الأخ تعبيره وأخطأ في التشبيه، فأين أنا من تراب يمشي عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وأين نحن من صحبه الكرام؟!

 

وقد يكون أداء الدين توريثًا لهذا الدين لأبنائك ومن حولك (ذريةً بعضها من بعض) إن لكل منا ميادينه (قل كلٌّ يعمل على شاكلته) فالهمة الهمة والسباق السباق في حلبات الوفاء، إن الوفاء الذي ندعو إليه هو وفاء التلاميذ لأستاذهم، والتابعين لنبيهم صلى الله عليه وسلم، والأمة لمنهج ربها.

 

وندعو المصريين بفخرٍ ومن منطلقات ديننا ودعوتنا للوفاء لوطنهم ومصريتهم وأمتهم.. فينبذون الفرقة والخلاف، وينفضون سنواتٍ غيَّرت عاداتهم وأنستهم تراثهم وغربتهم عن دينهم، وليتحقق مراد الله لنا بمصر وبالأمة المنتصرة الموحدة (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله) (آل عمران).

 

رحم الله البنا وأتباع البنا من أساتذة الصف وعناصر القدوة ورفقاء الدرب، الذين قضوا نحبهم ولم يروا ثمرة جهادهم وحصدناه نحن عزةً وتمكينًا ونصرًا، وصلِّ اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

----------- 

* المنسق العام للتجمع الأوروبي للأئمة والمرشدين ومدرس الأدب العربي وعلوم القرآن بجامعة برلين.