لعبت صحافة الإخوان المسلمين دورًا مهمًّا ومحوريًّا في نشر الدعوة الإسلامية والإصلاح الاجتماعي ومواجهة الاستبداد السياسي والفساد بكل أشكاله، وهو دور لم يأخذ حقَّه من التوثيق والدراسة والتحليل والإبراز؛ بسبب الأنظمة الديكتاتورية في مصر، وسيطرة تيار معادٍ للتيار الإسلامي على منابر الصحافة والفكر والنشر، فضلاً عن الشللية وإقصاء المواهب.
ورسم شيوخ الصحافة الإخوانية وتلاميذهم جيلاً بعد جيلٍ مدرسةً صحفيةً جديرةً بالتوقف عندها وعند محطاتها بعد ثورة 25 يناير المجيدة، وتأبين هذه الشخصيات، وإنزالها منازلها بعد زمانٍ طويلٍ من النسيان المتعمد، والتجاهل مع سبق الإصرار والترصُّد لصالح تضخيم أقلام الأنظمة الحاكمة الغابرة والمطبّلين وأصحاب "السبوبات" لا المبادئ.
هذه الجهود التي يذكرها التاريخ بكل الإجلال والفخار تحتاج إلى الظهور والتحدث عنها ليعرف أبناء الجماعة ومحبوها رموز الإخوان المسلمين في بلاط صاحبة الجلالة، كما عرفوا رموز اليسار والناصريين والشيوعيين وكل الاتجاهات في هذا البلاط العظيم.
وتجربتنا في (إخوان أون لاين)- التي عشتُ فيها وعايشتها منذ أن التحقتُ بها تلميذًا لجيلٍ سبقني من الأساتذة "الأسطوات"- جديرةٌ كذلك بالتوقف معها، خاصةً أنها أنشات مدرسةً صحفيةً، عمل بها وتعلَّم فيها معظم جيل شباب الصحفيين الإخوان حاليًّا بعد أن أوصد النظام البائد في وجوههم معظم الأبواب.. مدرسة منحت لمؤسسات كبيرة في الوسط الصحفي الآن بعض النماذج المتميزة التي يعتمد عليها في تحمُّل المسئولية.
تجربة (إخوان أون لاين) حملت في طياتها أكبر التضحيات، لم تتوقف عند غلق باب العمل في مؤسسات أخرى قبل الثورة بسبب اسم الموقع، أو خوف المصادر الصحفية من التواصل مع الموقع طاعةً وتزلفًا لعصابة مبارك، أو حتى الاعتقال أثناء الثورة المجيدة؛ بسبب الأداء المهني والثوري المتميز بشهادة المراقبين أو الحبس بتهم قلب نظام الحكم أو تدمير مقرِّ العمل في شارع خيرت، أو الصبر على قليل المال، في ظلِّ توحش الحياة، أو عدم استيعاب ذوي القربي لطبيعة الصحافة الرسمية، سواء على المستوى المهني أو السياسي فيما يخص الأمور الداخلية، بل امتدَّ إلى غير ذلك؛ ما سجَّله فريق العمل عند الله سبحانه وتعالى، راغبين في ثوابه كاملاً غير راغبين في التحدث عنه.
تجربة "إخوان اون لاين" خاصةً منذ عام 2004 وقبل انطلاق انتخابات 2005م، وما تلا ذلك مرورًا بالثورة المباركة وحتى الآن تحتاج إلى إعادة قراءة من جديدٍ في أرشيفٍ امتلأ بقذائف الحق وبكل القوالب الصحفية في مواجهة الاستبداد والتزوير والفساد؛ اعتمادًا على فريق عمل متجانس وقوي، منبعه الإخوان وعماده تميز مهني عالٍ.
ولقد جسَّد (إخوان اون لاين) شامة فخار للصحافة الإخوانية في أحداث الثورة، سيذكرها التاريخ جيدًا عندما يكتبه المنصفون، بعد أن أدَّى ما عليه قبل الثورة في مواجهة مبارك وعصابته، وشارك بكل قوةٍ في نقل أحداث الثورة لحظةً بلحظة، وبتحديثٍ تابعه الداخل والخارج، دفع أجهزة الأمن إلى اعتقالنا وحبس بعضنا؛ ليعرفوا سر صمودنا في العمل في وقتٍ كان هناك صحف ومواقع إلكترونية خاصة تُنافق المخلوع ونائبه السابق.
وقد سجَّلتُ هذه التجربة العظيمة في كتابٍ في طريقه للنشر قريبًا بإذن الله، كما أثلج صدري بعد الثورة أن وجدتُ باحثةً تطرق باب (إخوان أون لاين) الجديد في 1 ش سوق التوفيقية بوسط القاهرة، لتخبرني بأنها اختارت (إخوان أون لاين) ليكون ضمن عينة الاستطلاع الذي أجرته على مواقع إلكترونية لها يضخُّ فيها أصحابها ملايين الجنيهات، ويعمل فيها أضعاف أضعاف أعداد فريق عملنا.
إننا بحاجةٍ إلى قراءةٍ متأنيةٍ في تاريخ جميع مؤسساتنا الصحفية الإخوانية، ووضعها في مكانها الصحيح، كي نتقدَّم من أرض صلبة وبعزةِ نفسٍ وطموحٍ كبير، فمَن ليس له ماض ليس له حاضر، فالأمة تنشد من الإخوان في هذه الأوقات صحافةً تواكب مكتسبات الثورة وآمال التغيير والإصلاح.
إن صحفيي الإخوان جميعًا سيظلون على العهد من أجل إرساء القيم النبيلة التي دفعوا ضريبةً غاليةً من أجل إقرارها، في سوقٍ مفتوحةٍ لا تعترف إلا بحسن الاستثمار، واستغلال الطاقات وحسن توظفيها من أجل مستقبلٍ أفضل للوطن.