لقراء الحوار ومضمونه ورسائله لا بد من مطالعة آخر مستجدات المشهد بأكمله عالميًّا، ثم إقليميًّا، فمحليًّا:

الوضع العالمي.. متعدد الأقطاب، مأزوم اقتصاديًّا بسوء إدارته السابقة، بعضه شمَّ عبير الربيع العربي، ويحاول التعايش معه، وبعضه يريد أن يستمر في العيش في صيف العام الماضي.

 

الوضع الإقليمي.. مرتبك في عمومه، ساخن ومشتعل في بعض أجزائه، مهموم داخليًّا بتثبيت أركانه؛ خشيةَ أن تصيبه تداعيات الربيع العربي.

 

الوضع المصري.. يمر بمرحلة تحول إستراتيجي بين نظامين متناقضين، أزعجته آلام الجراحة إلى حد ما، ويسعى للاستقرار والنقاهة للإعداد لمرحلة العمل الشاق القادم في البناء والتنمية؛ بيد أن نبح كلاب حراسته تحاول التعبير عن نفسها فأصابت المشهد ببعض الضجيج.

 

العديد من الأسئلة يطرحها الشعب المصري، بل العالم بأسره على الإخوان المسلمين، بحكم تحملهم مسئولية إدارة الأمور بالدولة المصرية.

 

س: كيف سيتعامل الإخوان مع الفلول ومحاولات إفساد الثورة؟

س: هل سيتمكن الإخوان من فلول الفساد ويمرون بمصر إلى طريق الاستقرار والتنمية؟

س: كيف ستعيدون بناء مصر (رؤيتكم، مرتكزاتكم، تمويل بناء الدولة.. إلخ).

س: كيف ستتعاملون مع القيادات الحالية في الجهاز الإداري للدولة؟

س: كيف ستتعاملون مع الجيش؟ وكيف سيكون موقعه في المعادلة المصرية؟ وهل سيظل شبح الحكم العسكري كابوسًا على نفوس المصريين؟

س: ما هو محل اهتمامكم؟ وهل ستركزون على مصر فقط، أم ستحتل قضايا الإسلام العالمية جزءًا من اهتمامكم على حساب مصر؟!

 

في هذا السياق المضطرب، ومحاولات فلول النظام السابق اللعب بالنار، ومحاولة إرباك المجتمع والمساس بسيادة الدولة بتصرفات صبيانية غير مسئولة، لم يعد الأمر يحتمل الصبر والسكوت.

 

وأصبح تحرك الإخوان لإنقاذ مصر من يد الفلول والمتسترين أمرًا لا بد منه، وواجبًا شرعيًّا وضرورة وطنية، خاصةً في ظل صك التكليف الذي منحه الشعب للإخوان.

 

في هذا السياق أجاب الشاطر، وأجاد، واحسبه أزال الغيوم، وأذهب الكثير من الخوف، وأضاء شعاعًا من الأمل، وفي إجاباته رسائل عدة؛ أهمها رسالات الداخل، وأولها للفلول والمتسترين عليهم، والتي جاءت حاسمة وقاطعة؛ بأنْ انتهى الدرس أيها الغبي، وسنسارع في اتخاذ أقصى الإجراءات القانونية لوقف هذا التآمر والعبث الذي تقومون به، وستضرب الدولة بيد من حديد القانون على كل من يحاول المساس بأمن شعب مصر.

 

ثم رسالة الشعب المصري الواعي الأصيل الذي منح الإخوان ثقته واختاره لتحمل المسئولية، بأننا عند حسن ظنكم بنا؛ حيث جبنا مشارق الأرض ومغاربها ودرسنا وبحثنا وأعددنا خططنا، ونمتلك رؤيةً واضحةً وأهدافًا محددةً تعززها لغة الأرقام التي نتحدث بها، وتصورًا متكاملاً لبناء وإدارة الدولة المصرية الحديثة، يتحرك على مسارين؛ مسار أول طويل الأجل تظهر نتائجه تباعًا خلال الثلاث سنوات القادمة.

 

ويتمحور في هذه المحاور خمسة محاور:

المحور الأول: استكمال بناء مؤسسات الدولة، وقد فعلنا، والآن نبادر باستعدادنا لتشكيل وزارة بديلة لتحمل مسئولية هذا المنعطف التاريخي، والتي تبدو وكأنها مهمة انتحارية، ولكن الإخوان بقوة ثقتهم في الله تعالى ثم بقوة توافقهم من الجماعة الوطنية المصرية والشعب المصري العظيم ستصنع المستحيل، وتحقق الإنجازات المطلوبة، وهذا ليس بجديد على تاريخ مصر الطويل.

 

المحور الثاني: تطهير الهياكل والتنظيم لوزارات ومؤسسات الدولة من القيادات الفاسدة.

 

المحور الثالث: إعادة تشغيل الآلة التشريعية وسن التشريعات اللازمة لإعادة ضبط الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية ولتهيئة مناخ الاستقرار والتنمية.

 

المحور الرابع: مراجعة وتنقيح والتخلص من التشريعات والقوانين الاستثناية الظالمة التي قيدت وأنهكت المجتمع المصري وأفسدته.

 

المحور الخامس: الانفتاح على العالم الحديث وعقد شراكات تعاون تنموية في كل المجالات.

 

والمسار الثاني قصير الأجل فيما يعرف بالمهام المهمة العاجلة..ـ الأهداف السريعة Quick goals وأهمها:

- استعادة الأمن والاستقرار للمجتمع.

- توفير أساسيات وسبل الحياة الأساسية، التي تعيد للمواطن المصري إحساسه بحريته وكرامته.

- وقف نزيف الأموال والموارد المصرية المسربة عبر مسارات الفساد، وإعادة ضخها لتمويل خطط التنمية الجارية.

 

المرتكزات الأساسية التي ننطلق منها لإعادة بناء دولتنا المصرية الحديثة:

- المهنية العالية والاحتراف والجمع بين كفاءة القيادات المنتقاة بعناية وبين فاعلية الأداء والإنجاز.

- التوافق مع كل القوى الوطنية على قاعدة الشراكة في حب مصر وتحمل مسئولية تنميتها ونهضتها.

- التمويل الذاتي الداخلي، والذي سيأتي تباعًا بزيادة مدخرات المصريين وسعيهم لتوفير التمويل اللازم لمشاريع التنمية، خاصةً بعدما تتعزَّز ثقتهم في قيادتهم الجديدة.

- العمل على استرداد الأموال المصرية المنهوبة، والتي تقدر بـ240 مليار دولار.

- إيجابية وتفاعل الشعب المصري العظيم، خاصةً عندما يتأكد من أثر مصداقية وإخلاص ومهنية الإخوان العالية في إدارة الدولة وتحقق إنجازات سريعة يتذوقون نجاحها.

- الانفتاح والتواصل مع التجارب النهضوية الحديثة والاستفادة منها.. قراءتها وفهمها، والاستفادة منها، لا استنساخها، على قاعدة أن التجارب لا تستنسخ، ولكن تفهم ويستفاد منها.

- تطهير مؤسسات الدولة من القيادات الفاسدة والإبقاء على كل القيادات الأخرى، شرط الالتزام بالشفافية والمهنية والاحتراف وعبادة الله تعالى والتقرب إليه بالتنافس الإيجابي لخدمة مصر.

- نشر وتعزيز الهوية الإسلامية الوسطية المعتدلة، وإدارة الدولة بالقيم المهنية، والتي ستعيد لمؤسسات الدولة رشدها وفاعليتها الذاتية خاصةً المؤسسات الإعلامية.

- تقديم القدوة والنموذج والبديل الجيد المنافس هو الأساس في التخلص من كل مظاهر الفساد والإفساد الذي استشرى في كل قطاعات المجتمع.

- إعادة الضبط والتوازن بين مهام ومسئوليات وصلاحيات مؤسسات الدولة وخاصة الجيش عبر دستور عصري يستفيد من التجارب العالمية الناجحة في هذا الشأن، فيما يعرف ببناء وتعزيز دولة المؤسسات الدستورية.

- تركيز جل الاهتمام على إعادة ترتيب الأوضاع المصرية الداخلية وبناء دولة مدنية حديثة تكون بمثابة النموذج الذي يحتذى به، بما يليق بمكانة وتاريخ مصر العريق.

 

وأخيرًا.. جاءت رسائل الخارج وأولها إلى القوى العربية الإقليمية والمتآمر بعضها على نجاح التجربة المصرية؛ خشية تمددها، والبعض الآخر الخائف المتردد في التواصل مع القيادة المصرية الجديدة.

 

رسالتنا إليكم بأننا أقوياء بذاتنا المصرية وشعبنا المميز العظيم، ومصر ليست بحاجة إليكم أبدًا، بل أنتم بحاجة ماسة إلى مصر؛ لأننا بكم وبدونكم، ولكنكم بمصر لا بغيرها، وإن حرص الشاطر بأدبه وأدب الإخوان الجمّ وعمق درايته السياسية على التطرق للأمر، ولكن ما بين السطور كبير وعظيم في التلكؤ غير المبرر.

 

ورسالة إلى رأس المال العربي وغير العربي.. بأننا نمهّد الطريق ونؤسس البنية الاجتماعية والسياسية والتشريعية اللازمة لجعل مصر من أفضل فرص الاستثمار العالمية الجاذبة لرءوس الأموال العالمية لتستثمر فيها وتحقق أعلى عوائد ممكنة.

 

وأخيرًا.. رسالة إلى الغرب والقوى العالمية، وخاصةً أمريكا أن مصر تغيرت وعليكم أن تحدثوا تحولاً كاملاً لرؤيتكم في علاقتكم بمصر إن أردتم المحافظة على علاقتكم ومصالحكم في المنطقة، تحولاً في المفاهيم والمنطلقات والسياسات والإستراتيجيات، ولسنا متعجلين، راجعوا أنفسكم، جهزوا ملفاتكم نرحب بكم زائرين قادمين إلينا ننظر مدى صلاحية وجودة ما ستعرضونه علينا.

 

بطبيعة الحال يجب أن تكونوا قد رفعتم أيديكم تمامًا عن النظام السابق وفلوله.

 

مجمل الرسالة: نبشركم شعبنا المصري العظيم بغد أفضل مما تتخيلونه أو تحلمون به وإن غدًا لناظره لقريب.