أقلبُ في الجرائد كل يوم، وأحلم أن تجلل بالسوادِ حدادًا على سماسرةَ الثقافة الغربية  والدِّيمقراطيةِ المطاطة، هؤلاء الذين ينْتَشِرُونَ كَالسُّلِّ في رئة الشمس النقية وكَسُعَالِ العاطلين عن العمل، يدقون طبول الحرب في الصباح، فإذا أغمدت الشمس سيفها وأقبل المساء، خرجوا من أنقاض شرايين الشهداء إلى شاشات الفضائيات، يمتطون صهوة الكلام في نشوة سكر لا ثورة فكر، مطالبين بالقصاص الذي طالما حاربوه بمفهومه الشرعي كحد من حدود الله (راجع مقال شريف الشوباشي "القصاص والإعدام"  في جريدة "الأهرام" 1/7/2009م، والذي استنكر فيه حكم الإعدام على أساس أنه يتنافى مع حقوق الإنسان).

 

ولقد كان الاستعمار القديم يستعين بقواته العسكرية الغازية لقهر الشعوب المستعمرة، ولم يعد الاستعمار الآن في حاجة إلى استخدام قواته العسكرية بعد أن أفلح في اختيار عملائه وصنائعه من النخب الوطنية التي أشربت في قلوبها ثقافة الاستعمار، وتربت على يديه، ونشأت في كنفه ورعايته، ولقد بذل أعداء الإسلام القناطير المقنطرة من التلبيس والدجل السياسي، "ولعبت ألاعيب صُوِّر فيها هؤلاء العملاء الذين يقدمون دولهم للافتراس في صورة (الأبطال) المحررين؛ الذين هبطوا من السماء لإنقاذ بلادهم من الرجعية والتخلف، وما شاكل ذلك، وهم في الحقيقة يهدفون لقتل الحركات الإسلامية في بلادهم باسم محاربة الرجعية".

 

وقد لعب الإعلام الدور الأكبر في تضليل الجماهير في كل مواجهة كانت تحدث بين الحركات الإسلامية وهذه الأنظمة المستبدة، وإيهام هذه الجماهير أن هذه الحركات التي تسعى لتحكيم الشريعة أنها طلاب سلطة، واتهمها بالخروج على الشرعية، وبالتالي لا بد من ذبحها والتخلص منها.

 

والهدف الذي ينبغي أن ندركه ونتَّحد عليه الآن؛ هو حتمية "أن تردَّ ديار الإسلام للإسلام، لا لشخص بعينه، وللحكم الإسلامي لا لأي حكم، ومن ثم ينتفي عن الأمة شبهة الدافع الحزبي أو الشخصي، وتصير القضية خالصة للإسلام"، وبذلك نستردُّ قيمنا وأصالتنا وهويتنا التي افتقدناها طويلاً في ظل أنظمة كانت تنحِّي الإسلام عن الحياة، وترضى بالتبعية الذليلة لأعدائنا، في صورة الرضا بمكاننا من السلم الحضاري ضمن النظام الدولي، ورحلة العودة بالتأكيد هي رحلة طويلة وشاقة، تبدأ بإسقاط اللافتات الكاذبة وكشف الأقنعة الزائفة وفضح المعوِّقين الذين يظنون أن بإمكانهم تعطيل السنن الربانية التى لا تخذل أبدًا من سار وفق هذه السنن؛ مصداقًا لقول الله عز وجل: (إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (128)) (الأعراف).