- هناك طلب بمقايضة المساعدة بسيادة مصر وكرامتها.. وهو ما يرفضه المصريون بكل تأكيد
- فلتذهب المساعدات المشروطة إلى الجحيم.. لأننا نؤمن بأن رزقنا في السماء.. وليس في واشنطن أو غيرها من العواصم
لست من أنصار التصعيد مع الولايات المتحدة الأمريكية, ولا غيرها من بلدان العالم, لكني مع الدفاع عن السيادة المصرية وكرامة المصريين, مهما كلفنا ذلك من تضحيات؛ إذ إنني لا أتصور أن هناك مصريًّا واحدًا يقبل الإهانة, أو المذلة, أو المن والأذى, بسبب مساعدة تقدَم من هذه الدولة أو تلك, علمًا بأن هذه المساعدات ليست بالضخامة التي تُوجب كل التنازلات التي يطالب بها بعض المنتفعين منها, فهي تمثل اثنين بالمائة فقط من الموازنة العامة المصرية.
التهديد بقطع المساعدات الأمريكية عن مصر تصاعد مع الأزمة الحالية التي نشبت بين مصر وأمريكا بسبب الموقف من المنظمات الأمريكية العاملة في مصر التي ووجهت باتهام خرق السيادة المصرية, والعمل بدون ترخيص, والقيام بأنشطة سياسية, وتلقي أموال من الخارج وصلت إلى 175 مليون دولار خلال سبعة أشهر فقط من بعد الثورة (أي ما يساوي ألفًا وخمسين مليون جنيه), حصلت على معظمها من بنود المعونة الأمريكية بالمخالفة للاتفاق مع الجانب الأمريكي, وبالمخالفة أيضًا للقانون والنظام العام.
لكن هذا التهديد لم يكن وليد هذه الأزمة، بل سبقها بعدة أشهر؛ ففي يوليو الماضي تقدم نواب جمهوريون بلجنة الشئون الخارجية بالكونجرس الأمريكي بمشروع قرار بتعليق المساعدات الأمريكية المقدمة لمصر, وفرض قيود عليها وعلى تلك المساعدات التي تقدم لكل من اليمن وباكستان ولبنان, وربطها بمدى قيام هذه الدول بالدور المطلوب منها في الحرب على الإرهاب, وطبعًا هذا الدور المطلوب من مصر- وفق التعريف الأمريكي- يعني القيام بأدوار لا تعبر عن القيم أو التقاليد المصرية، ومنها مثلاً خنق الفلسطينيين خصوصًا في غزة, وتجويعهم وتركيعهم للإملاءات الصهيونية (ولعلنا نذكر أن قرار الحرب على غزة أعلنته تسيبي ليفني- وزيرة الخارجية الإسرائيلية آنذاك- من منصة وزارة الخارجية المصرية, وبحضور الوزير المغوار أحمد أبو الغيط, كذلك تشييد الجدار الفولاذي لتدمير الأنفاق التي تمد الفلسطينيين بضروريات الحياة تم بأوامر أمريكية!
الناطقة باسم الخارجية الأمريكية "فيكتوريا نولاند" قالت: "إن الكونجرس سيبحث موضوع المساعدات التي تقدمها أمريكا إلى مصر في ضوء الموقف من منظمات المجتمع المدني".
ومعنى ذلك في رأي السيدة نولاند ورأي بعض أعضاء الكونجرس الذين لوحوا بقطع المساعدات في حال إدانة الأمريكيين التسعة عشر الذين قدموا للمحاكمة، أن ثمة طلبًا بمقايضة المساعدة بسيادة مصر وكرامتها، وهو ما يرفضه المصريون بكل تأكيد.
مصر اليوم أمام تحدٍ كبير, إما أن تؤكد روح الثورة التي أعادت للمصريين كرامتهم وكبرياءهم, وإما أن تعود لسياسة المخلوع حسني مبارك, الذي باع كرامة البلاد وسيادتها بثمن بخس (دولارات معدودة) لم تعد على الشعب بفائدة تذكر, لكنها أضرت بسمعته بالغ الضرر!
أي متابع منصف يدرك أن المساعدات الأمريكية التي أعطيت لمصر مكافأة لها على السير في طريق السلام مع العدو الإسرائيلي؛ أفادت أمريكا أكثر مما أفادت مصر, والدليل على ذلك قول أحد المسئولين الأمريكيين في رده على انتقادات أحد الصحفيين على منح مصر ملياري دولار, قال: "إن مصر شريك إستراتيجي، وشراء شراكتها بملياري دولار يعود على أمريكا بمكاسب تساوي عشرات أضعاف هذا المبلغ الضئيل من وجهة نظري".
في عام 2006م، قدم مكتب محاسبة الإنفاق الحكومي التابع للكونجرس دراسة خاصة بطبيعة وكيفية صرف مصر للمعونة التي تتلقاها من أمريكا. الدراسة تم إعدادها بناء على طلب توم لانتوس- النائب الديمقراطي عن ولاية كاليفورنيا- وأثبتت أن المساعدات الأمريكية لمصر تساعد على تنفيذ الأهداف الإستراتيجية لأمريكا في المنطقة.
ودللت الدراسة على ذلك بأن مصر قدمت خدمات هامة لأمريكا، منها على سبيل المثال:
* سمحت مصر للطائرات العسكرية الأمريكية باستخدام الأجواء المصرية, وخلال الفترة من 2001 إلى 2005م- على سبيل المثال- سمحت مصر بعبور طائرات أمريكية من الأجواء المصرية بعدد 36553 مرة.
* منحت مصر تصريحات على وجه السرعة لـ861 بارجة حربية أمريكية لعبور قناة السويس، خلال الفترة من 2001م إلى 2005م، وتوفيرها الحماية الأمنية اللازمة لعبور هذه البوارج.
* قامت مصر بتدريب 250 ضابطًا في الشرطة العراقية.
* كذلك دربت مصر 25 دبلوماسيًّا عراقيًّا خلال عام 2004م.
* أقامت مصر مستشفى عسكريًّا في أفغانستان, وأرسلت أطباء إلى قاعدة "باجرام" العسكرية بين عامي 2003, 2005م؛ حيث تلقى أكثر من 100 ألف مصاب الرعاية الصحية اللازمة.
فهل تساوي هذه المساعدة الهزيلة كل تلك التنازلات التي تطالبنا بها الإدارة الأمريكية المتغطرسة؟ بالتأكيد لا!
لقد حان الوقت لأن تدرك أمريكا وغيره أن مصر الثورة تفتح قلبها وعقله للتعاون مع الجميع على أساس من الندية ومراعاة المصالح المشتركة, والاحترام المتبادل, وإلا فلتذهب المساعدات إلى الجحيم؛ لأننا نؤمن بأن رزقنا في السماء، وليس في واشنطن أو غيرها من العواصم.
رسائل سريعة
* تحية لنواب الشعب على البداية القوية التي تبشر بالخير؛ فلقد أصبح المصريون يتابعون مناقشاتكم باهتمام كبير؛ لأنكم تعبرون عن آلامهم وآمالهم. وأعان الله الدكتور الكتاتني على النواب الذين يحاولون خطف الكاميرات بشتى الطرق!
* تحية لفضيلة الشيخ محمد حسان الذي أعلن رفضه للمساعدات الأمريكية التي تأتي على حساب الكرامة والسيادة المصرية؛ فالشيخ أقسم- وهو صادق- أنه يستطيع جمع قيمة المساعدة من المصريين في ليلة واحدة.
* وصلتني رسالة على بريدي الإليكتروني بعنوان (فكرهم ونكد عليهم) تذكر العديد من الشخصيات السياسية التي كانت تطالب المجلس العسكري بالبقاء في السلطة وعدم التعجل في نقلها, واليوم لا تريد أن تصبر لشهرين وتطالب برحيله الآن وفورًا!
---------