يتميز الكاتب الصحفي اليساري صلاح عيسى، رئيس تحرير جريدة "القاهرة" بميزتين متناقضتين؛ هما: القراءة والتحولات، فهو قارئ جيد، وخاصةً في الوثائق القديمة والصحف التي صدرت منذ زمن بعيد، ومن خلال ذلك يقدم موضوعات طريفة وقضايا لا تعرفها الأجيال الجديدة، وقد استطاع أن يقدم لنا على سبيل المثال مجموعةً من الأعمال الدرامية والكتب حول "ريّا وسكينة"، وأبطال ثورة 19، والمثقفين والعسكر، والدستور وغيرها، في أداء صحفي جيد ومبتكر، بالإضافة إلى حسٍّ ثقافي ساخر، مكّنه أن يقدم في الثمانينيات بابًا أسبوعيًّا في جريدة "الأهالي" لسان حزب "توتو" ذي القيادة الشيوعية، بعنوان "الأهباري"، يسخر فيه من بعض الكتَّاب والكتابات التي تظهر في الصحف القومية الثلاث: "الجمهورية" و"الأخبار" و"الأهرام".
وكنت أقرأ له في مقتبل حياتي ما يكتبه في مجلتي "الحرية" و"الآداب" اللبنانيتين في الستينيات وكلتاهما تدور في الفكر اليساري، وكان ما أقرؤه مختلفًا عما كنا نطالعه آنئذٍ في صحف الحكومة؛ لأنه كان يتضمن أخبارًا وقصصًا لا تذكرها صحف القاهرة.
الميزة الثانية وهي وصف وليست فضيلة، وتخص التحولات التي بدأها صلاح من الإخوان المسلمين إلى اليسار الشيوعي، وانتهى إلى اليسار الحكومي؛ الذي يساند النظام البوليسي الفاشي في عهد المخلوع.
عندما تولى وزير الحظيرة الثقافية السلطة قبل ربع قرن تقريبًا أراد أن ينشئ مجلةً أسبوعيةً تقوم بتلميعه ونشر إنجازاته وتقوِّي رابطته بالجالس على سدَّة الحكم، فاختار الكاتب الصحفي اليساري الراحل رجاء النقاش، وهو صهر صلاح عيسى، لهذه المهمة، ورجاء كاتب متفوق مهنيًّا في الصحافة الثقافية، وبدأ العمل في المجلة المأمولة، وفجأةً انتقلت مسئولية المجلة بعد طبع الأعداد التجريبية إلى صلاح عيسى؛ مما أغضب رجاء وجعله يكتب بعض المقالات معبرًا عن غضبه من اختطاف المجلة التي صارت جريدة تحمل اسم "القاهرة" ويرأس تحريرها الصهر العزيز، وقد تمَّت مصالحته بعد ذلك بجائزة الدولة التقديرية!.
صدرت "القاهرة" وكانت تحمل شعارًا يسمح لكل الآراء بالكتابة والتعبير، واتصل بي رئيس التحرير مشكورًا لأشارك في القاهرة، مؤكدًا التعددية والانفتاح، وكان هناك عدد من الكتَّاب الإسلاميين، مثل: أحمد بهجت ومحمد عمارة وفهمي هويدي وصافيناز كاظم، ومضت الأعداد الأولى معقولةً حتى مضت سنة أو أكثر، ثم تغيرت الحال.. كان الوزير فيما علمت يتابع الجريدة عددًا بعدد، ويسمح بهذا ولا يسمح بذاك وأخذت يد الرقيب- أيًّا كان- تشطب هنا وتحذف هناك، وأخذ تطفيش الكتَّاب يتركز على الإسلاميين الذين هجروها واحدًا واحدًا ولم يبق إلا محمد عمارة.
جريدة "القاهرة" انتهت في نهاية الأمر إلى استقطاب الرفاق القدامى والجدد، وآخرين ممن لا همّ لهم إلا هجاء الإسلام والتشهير بالمسلمين، وطرح القضايا الملتبسة ليفتي فيها من تربَّوا على الفكر الماركسي أو الماوي، والاحتفاء بكل من يسبُّ الإسلام ومن يشوهه، من أمثال سلمان رشدي، وسيد القمني، وجمال البنا، وآخرين مشهورين أو مجهولين، بالإضافة إلى المشاركة مع صحف السلطة في الحملة على جماعة الإخوان المسلمين؛ التي كانت تسمى "المحظورة"، بل إنها لم تتوقف في حملتها على التيار الإسلامي كله بعد الثورة، وانتقاد مجلس الشعب الذي جاء بانتخابات حرة نزيهة شهد لها العالم كله، وكأنها تعمل بوحي فاروق حسني وأمن الدولة وحسني مبارك!.
تشكِّل جريدة "القاهرة" منذ صدورها عبئًا على ميزانية الشعب المصري المسلم؛ لأنها لا توزع؛ بمعنى أن توزيعها ضئيل، يتمثل في الاشتراكات الإجبارية، وقليل من النسخ التي تباع مع كتاب الهدية منتصف كل شهر، وهو أيضًا كتاب لا يحمل في الغالب تعاطفًا مع الإسلام إن لم يكن معاديًا له، مثل كتب سلامة موسى.
والشعب المصري لا يقرأ الصحف أو الكتب التي تهاجم إسلامه وقيمه، وتحتفي بالفكر الفاسد المضاد، وأعتقد أنه آن الأوان أن تعبر "القاهرة" عن شعب مصر المسلم وقضاياه الحقيقية، أو يتم توفير ميزانيتها لإصدارات أكثر نفعًا وجدوى.