لقد حبسنا أنفاسنا، ووضعنا أيدينا على قلوبنا، وكنا في حال من الخوف والقلق والحذر في وقت واحد عندما سمعنا الأصوات العالية في وسائل الإعلام التي تهدم ولا تبني، وتدمِّر ولا تعمِّر، وتحرق ولا تثمّر من دعوى إلى إضراب عام وشامل، ودعوة إلى شلِّ كل حركة في مصرنا الحبيبة.
كان- لأننا خارج مصر، ونحن بعيدون عن الحدث بالرغم من المتابعة الدقيقة واللصيقة له- ينتابنا شعوران؛ أما الأول فشعور بالأمل والثقة في شعبنا العزيز الحبيب، خاصة أن كثيرًا ممن وجه الدعوة للإضراب مغموز في وطنيته، ومهموز في ولائه وحبه لوطنه، ومن ثمَّ كان الأمل في وعي هذا الشعب العظيم وأنه لن ينساق وراء هذه الدعاوى التي لا تتحملها مصرنا الحبيبة، ولا يقوى عليها شعبها الصابر الصامد، وقد أثخنته الجراح، وآلمته الضربات المتتالية.
والشعور الثاني: كان شعورًا بالخوف والقلق من أن تؤتي هذه الدعوات أكلها، وتحقق هدفها من صنع الفوضى الخلاقة التي تؤخر مصر وشعبها، وتهدم كل ما بنوا، وتضيع دماء الشهداء الذين أصبحوا تجارة رخيصة لكثير من المتآمرين والمتحاملين على شعبنا الكريم.
ولم تخذلنا مصر ولا شعبها، فقد كان أذكى من كلِّ وسائل الإعلام المغرضة، وأعقل من أصحاب المصالح الشخصية، وأوعى من المتاجرين والمتآمرين على مصالحه العليا.
حقًّا لقد بلغ شعبنا سن الرشد، فلم يعد بحاجة إلى وصاية من أحد كائنًا من كان، وبلغ درجة من الوعي تمكنه من التمييز بين الغث والسمين، والتفرقة بين الوطني الحر والمدسوس المتاجر بآلمه وجراحاته.
وهذا يشجعنا أن نعرض عليه عددًا من الثورات أحسب أن مصرنا الحبيبة بحاجة ماسة إليها الآن.
فالثورة التي قامت كانت مشروعة، ومشكورة، ومأجور من قام بها وأسهم فيها بجهد كبير أو صغير، لكن الثورة لا يمكن أن تكون غايةً وهدفًا، ولكنها تظل وسيلة مشروعة، ثم تعود الأمور إلى طبيعتها حيث الاستقرار والعمل، والإبداع في مفهوم الثورة، فنحن نحتاج إلى مجموعة ثورات في الفترة القادمة مختلفة عن الثورات التي نسمعها الآن، وكثرتها تذهب عبرتها فنحتاج إلى ثورات فيما يلي:
1- نحتاج إلى ثورة من كل مواطن صالح مصلح يحب وطنه على الكسل والبطالة المقنَّعة، والساعات التي تهدر دون عمل.
2- نحتاج إلى ثورة على الرشوة والمرتشين، وكل من تسول له نفسه أكل الحرام وإفساد هذا البلد في كلِّ المجالات.
3- نحتاج إلى ثورة على عدم النظام واحترام حقوق الآخرين، سواء في الطريق أو في الحصول على الخدمات من المصالح الحكومية وغير الحكومية.
4- نحتاج إلى ثورة في مجال القضاء على الأمية سواء أكانت أمية القراءة والكتابة أم الأمية الفكرية، وهذا يحتاج إلى جهد كبير؛ حيث إن نصيبنا من الأمية نصيب الأسد وسط البلاد المتقدمة.
5- نحتاج إلى ثورة في مجال العلم والتكنولوجيا، ومصر الآن تفتح أحضانها الدافئة لكل العلماء الذي هجروها وأعطوا ثمرة عقولهم وفكرهم وعلمهم للآخرين؛ حيث لم يكن في الإمكان أفضل مما كان، لكن لا عذر لأحد الآن، فواجب الوقت والضمير والوطن يفرض على الجميع الرجوع والمساهمة في بناء هذا الوطن العزيز.
6- نحتاج إلى ثورة من أجل نظافة هذا البلد وزراعته، ومحو كل آثار الفوضى والقذارة التي خلفها العصر البائد.
7- نحتاج إلى ثورة في مجال الزراعة؛ لتعود مصر هبة النيل، وهو من أجلّ النعم التي أنعم الله بها علينا، حتى لا نمد أيدينا لغيرنا لنتسول لقمة العيش، واليد العليا خير من اليد السفلى، فعار على أمة عندها ثروة بشرية هائلة، وعندها كميات هائلة من المياه، وعندها رقعة أرضية واسعة أن نستورد القمح حتى الآن.
8- نحتاج إلى ثورة في مجال الصناعة، فملايين العاطلين الذي يقضون الساعات على المقاهي والملاهي، عليهم أن يستوعبوا التوجيه النبوي الذي يقول فيه النبي- صلى الله عليه وسلم- فيما رواه البخاري عن المقدام رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما أكل أحد طعامًا قط، خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده".
9- نحتاج إلى ثورة بل ثورات على الفساد بكلِّ صوره وأشكاله، الفردية والجماعية حتى يعود لنا وطننا العزيز في كامل قوته، وساعتها سيأخذ كل صاحب حق حقه.
10- نحتاج إلى ثورة أو ثورات في مجال الأخلاق، التي هدمها النظام البائد، حتى غابت عن شعبنا كثير من القيم والأخلاق الفاضلة، وحلت مكانها الأخلاق السيئة، ونحن نحتاج إلى تضافر الجهود لبناء هذه الأخلاق مرة أخرى، حتى تكون عونًا لنا في عملية البناء والتعمير،
ستحضرين حديث النبي الذي رواه البيهقي بسنده عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق".
11- نحتاج إلى ثورات كثيرة حتى نبني دولة المؤسسات التي تستطيع أن تحاسب الرئيس والمرءوس والحاكم والمحكوم، والكبير والصغير، وساعتها ستعود لمصر ريادتها وقوتها، (وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيبًا) (الإسراء: من الآية 51)، (..... وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (5)) (الروم).
------------
* الأستاذ المشارك بجامعة الإنسانية الإسلامية- ماليزيا
وكيل الجامعة لشئون الدراسات العليا والبحث العلمي