لا يستطيع أحد- بأية حال- أن ينكر أن الثورة المصرية في يناير 2011م من أعظم الثورات في التاريخ كله، لأسباب أهمها:

 

1- أنها جاءت متسمة بالعفوية والمصداقية والاستجابة لروح الشعب المصري الأصيل الذي عانى الظلم والقهر والفقر والفساد والضياع طيلة ثلاثة عقود في عهد مبارك الفرعون المخلوع.

 

2- أنها كانت نموذجًا لثورات هبت في شعوب تتطلع للحرية والتخلص من ظلم حكامها كما حدث في تونس وليبيا، ويحدث الآن في اليمن وسوريا التي ستشهد مصرع الطاغية التافه (بشار الأسد)، وليس فيه من البشرى شيء، وليس فيه "من الأسدية" ملمح واحد إلا ما ورثه عن أبيه القاتل الخائن السفاح.

 

3- أنها رصد لقيمة أزلية لا تنقض ولا تهون، وهي أن البقاء للأصلح، وأن دولة الظلم ساعة، ودولة الحق والعدل إلى قيام الساعة.

 

 ******

 

ومن القواعد الاجتماعية المشهورة أن الشعب يقوم بثورة لكي يبني ويعمر، ولكن الخطورة كل الخطورة أن يعيش الشعب حياته بعد ذلك في ثورة؛ لأن هذه الديمومة قد تؤدي إلى الخراب، أو على الأقل تفرغ الثورة من هادفيتها، ومضمونها الإنساني اجتماعيًّا وسياسيًّا. فبعد مرحلة الثورة تأتي مرحلة "الدسْترة"، أو التقنين.

 

فإذا ما اقتربنا أكثر إلى ثورة يناير 2011 أجمعنا على أنها من أعظم ثورات التاريخ كما أشرنا آنفًا. ولكن المؤسف حقًّا أن نلاحظ أن حركة الشباب الثائر يعيبها:

 

1- التطرف وتحكيم العاطفة أكثر من التقدير العقلي، وكان من الممكن أن يحكمنا مزيج إنساني من العاطفة والعقل وتقدير المفهوم، وأبعاد المستقبل.

 

2- استعمال سلاح التخريب، أو على الأقل السماح للمندسين والمخربين أن يكون لهم مكان في صفوفهم. وقد شاهدنا الحرائق التي أضرمت في مبنى المجمع العلمي، ومبنى مصلحة الضرائب. وقد استبد بي الحزن الأليم وأنا أرى شابًا لا يتجاوز الثالثة عشرة من عمره، وهو يلقي كراتٍ مشتعلة على مصلحة الضرائب، فلما علت النار بلهيبها رأيناه يرفع إصبعيه بعلامة النصر، وأخذ يرقص في سعادة غامرة.

 

3- الإصرار على حرمان القائمين على أمور الدولة مثل مجلس الشعب ورئيس الوزراء من منحهم فرصة لتحقيق برامجهم، وغير ذلك كثير.

 

وأكرر أن هذا لا يعني نقض تقديري لقيمة الثورة، وإغفال القيمة الكبرى لدماء الشهداء. وندعو بشدة إلى الأخذ بثأرهم ممن قتلوهم.

 

*******

 

وقد سألني أحد الصحفيين ماذا تقول في الوضع الذي نعيشه برمته؟ قلت له: إننا نعيش أيام الفتنة التي حذرنا منها القرآن في قوله تعالى (وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (25)) (الأنفال)، والفتنة تعني الاضطراب، وبلبلة الأفكار، والعذاب والضلال، ويطلق على الشيطان "الفتان" وقد جرَّم القرآن فتن المسلم أي صرفه عن دينه إلى الضلال والفساد فقال تعالى: (وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ) (البقرة: من الآية 191).

 

وفي الآية الأولى نلاحظ ما يأتي:

1- أن المسلم مطالب بـ"اتقاء" الفتنة أي حماية نفسه ابتداء منها، ومن أية آلية تقود إليها، ومقاربة ما يوقع المسلم فيها كما نجد في قوله تعالى: (وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً (32)) (الإسراء)، فالمنهي عنه الزنا، وأية وسيلة تقود إليه.

 

2- أن الآية الأولى تحدثت في الآثار الضارية التي تخلفها الفتنة، فهي لا تصيب الظالمين الفاسدين فحسب، بل يمتد لهيبها لتأكل غيرهم، لأنهم كانوا سلبيين في التعامل معهم.

 

وفي النهاية ندعو الله سبحانه وتعالى أن يمكننا من اتقاء الفتنة، ويكون يدًا لنا على كل ظالم فتان، وأن يرينا الحق حقًّا ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه.

 

(رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ (8)) (آل عمران).

 

------------

* gkomeha@gmail.com