إن مصر تمر الآن بمرحلةٍ فاصلة وحاسمة من مراحل تاريخها المزدهر بالحضارة.. لتتبوأ مكانتها الحقيقية في ريادة الإنسانية التي حُجبت عنها لفترات طويلة.

وأقول:

إن مصر بإذن الله حتمًا ولا بد ستتعافى من كل هذه المحن والابتلاءات؛ فمن خلال "قراءة في سورة يوسف" تتضح الحقائق الآتية:

المحور الأول: الأمل في نصر الله عقيدة:

(وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (21)) (يوسف). في سورة يوسف محن وابتلاءات تعرض لها يوسف عليه السلام، والشديد في أمر هذه المحن أن كل محنة تسلمه للتي بعدها... فنذكر من هذه المحن:

- المحنة الأولى: (غيابة الجب).

- المحنة الثانية: (وشروه بثمن بخس) أصبح عبدًا.

- المحنة الثالثة: محنة التعرض للغواية في جو القصور ويخرج منها سليمًا "معافى في خلقه ودينه".

- المحنة الرابعة: محنة السجن، التي خرج منها ليكون "على خزائن الأرض".

 

النتيجة: تأمل هذه الآية: (وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ...) تجد إعجازًا، فهو أصبح عبدًا الآن، وفي الآية نفسها يقول الله: (وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ...) حتى وإن ظهر للناس غير ذلك ولذلك ختم الله هذه الآية: (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) فخرج من السجن إلى خزائن الأرض.

 

ماذا كان يعاني يوسف؟ كان يعاني ألم الإبعاد.. وألم السجن.. ومرارة الظلم.. وظلم ذوي القربى.. ولوعة الغربة، وهذه هي الأسباب التي جعلتنا نقرأ في سورة يوسف هذه القراءة، إن معاناة يوسف التي ذكرناها، هي معاناة مصر نفسها فقد أُبعدت مصر عن دور القيادة والريادة وحوَّلها نظام العار إلى سجن، وعن ظُلمه لأهلها فقد فاق الوصف والحصر، لذا آثرت أن نقرأ هذه القراءة لننطلق منها؛ فالظروف متشابهة ومتطابقة في بعضها.

 

المحور الثاني: مكانة مصر التي تؤكد أنها حتمًا ستتعافى من كل هذه المحن وتخرج من هذه المنعطفات إلى قيادة الإنسانية وريادتها.

 

1- لأن مصر بلد الخزائن: (قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (55)) (يوسف).
يقول أبو بُصرة الغفاري: مصر خزائن الله في الأرض كلها وسلطان مصر سلطان الأرض كلها.. ألا تسمع لقوله الله تعالى: (اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ) ففعل فأُغيث بمصر يومئذٍ كل حاضرٍ وباد من جميع الأراضين.

 

فائدة: في قوله تعالى (خزائن) ولم يقل (خزينة الأرض)، قال العلماء: لأن مصر هي الدولة الوحيدة في العالم التي تصلح لجميع أنواع الاستثمار (استثمار زراعي- صناعي- تجاري- بشري).

 

أ- استثمار زراعي: الصحراء الغربية من إسكندرية إلي ليبيا (تقرير د. الشافعي بشير أستاذ القانون الدولي) هذه الصحراء تصلح لزراعة القمح على ماء المطر الذي ينزل عليها في موسم الشتاء 4 مرات كافية لإنتاج القمح، نحن نحتاج طيران يبذر قمح وحصادات لحصد القمح.

 

وهنا تجد أن مصر من أوائل الدول في إنتاج القمح- وكانت رقم (1) في هيئة الأقطان العالمية في إنتاج الذهب الأبيض (القطن المصري طويل التيلة)- ورقم (6) في إنتاج الغاز الطبيعي.

 

ب- استثمار بشري: في خارج مصر 80 ألف عالم مصري في قيادة فروع العلم والمعرفة في العالم.. إلخ.

 

حقيقة من الآيات: ذكرها لي د. محمد الجزار من البحيرة، يقول: كنت في اليمن منذ عشرة أعوام فقال لي أحد شيوخ اليمن: (إذا خربت مصر لم يستطع العالم كله إعادة إعمار مصر، وإذا خرب العالم كله استطاعت مصر إعادة إعمار العالم كله).

 

إنها الحقيقة فالذي يملك الخزائن يُعمر من عنده خزينة واحدة، أما العكس فلا يكون.

 

2- لأن مصر بلد الأمان: (وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (99)) (يوسف).

 

3- لأن مصر بلد الوحدة: إن المتأمل في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم يجده دائمًا يقول (فإنهم- فأهلها- فجندها- فهم في رباط..) ولم يقل فإن المسلمين فيها، ولذلك لا يوجد في عقيدة المسلمين ما يسمى الفتنة الطائفية- بل هي من اختراع "نظام العار".

 

4- لأن مصر بلد القوة: للحديث "فإن جندها خير أجناد الأرض".

 

5- لأن مصر بلد العون للغير: قال عمر بن الخطاب لعمرو بن العاص عندما أراد فتح مصر: "إنك إن فتحتها كانت عونًا للإسلام والمسلمين".

 

6- في التاريخ: عقب أحداث كنيسة إمبابة كنت أجلس مع أستاذي ومعلمي رائد الفكر الإسلامي المعاصر أ. د. محمد عمارة، فقلت له: أنا قلق مما يحدث وخائف على مصر، قال لي: إن مصر سوف تتعافى بإذن الله كما ذكر ذلك المقريزي، يقول: كانت تحدث الحرائق في المساجد بالعشرة مساجد، ثم تحدث في الكنائس بنفس العدد أو يزيد، وعافى الله مصر.

 

- إن مصر محفوظة، لأنها تحتوي على خزائن الأرض كلها.

 

المحور الثالث: أن الباطل زهوق

فعلينا أن نتحمل لحظات زهوقه، فسوف يحاول إفساد هنا أو قتل هناك، أو حريق،. لأن الباطل أصابته حالة من الهياج والجنون، يقول الله تعالى: (وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا (80) وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (81)) (الإسراء).

 

يقول صاحب الظلال رحمه الله (1): هو دعاء يُعلمه الله لنبيه ليدعو به، ولتتعلم أمته كيف تدعو الله وفيم تتجه إليه، دعاء بصدق المدخل وصدق المخرج، كناية عن صدق الرحلة كلها، بدئها وختامها، أولها وآخرها، وما بين الأول والآخر. (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمْ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (18)) (الأنبياء).

 

في ظلال القرآن (2): يقول: فكأنما الحق قذيفة في يد القدرة تقذف به الباطل، فيدمغه- يعني يشق دماغه- زاهقًا... هالك وذاهب. فالحق أصيل في طبيعة الكون- والباطل طارئ على الكون- لا أصالة فيه، ولا سلطان له، يطارده الله ولا بقاء لشيء يطارده الله، ولا حياة لشيء تقذفه يد الله فتدفعه.

 

المحور الرابع: حرمة الدماء

أولاً: القرآن الكريم:

(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقّ....) (المائدة: من الآية 27).

خاب القاتل ورجع بالصفقة الخاسرة في الدارين (3).

في ظلال القرآن (4):

* إن المجتمع القائم على منهج الله المحكوم بشريعته هو الذي يستحق أن تُصان فيه الدماء وتُصان فيه الأموال ويُصان فيه النظام العام، وأن يوقع على المخلين بأمنه المعتدين على الأرواح والأموال فيه العقوبات التي تنص عليها الشريعة الإسلامية.

 

* (لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي...) (المائدة: من الآية 28)، المؤمن التقي الوديع المسالم يكسر من شر الشر الهائج في نفس أخيه الشرير.

 

بعد هذا كله اندفعت النفس الشريرة، فوقعت.. طوعت له نفسه القتل... وقتل من؟ قتل أخاه!... وحق عليه النذير (فَأَصْبَحَ مِنْ الْخَاسِرِينَ (30)) (المائدة) الجريمة.

 

من أجل ذلك جعلنا جريمة قتل النفس الواحدة كبيرة كبيرة، تعدل جريمة قتل الناس جميعًا وجعلنا العمل على دفع القتل واستحياء نفس واحدة عملاً عظيمًا يعدل إنقاذ الناس جميعًا.

 

* إن قتل نفس واحد- في غير قصاص لقتل، وفي غير دفع فساد في الأرض- يعدل قتل الناس جميعًا، لأن كل نفس ككل نفس، وحق الحياة واحد ثابت لكل نفس، فقتل واحدة من هذه النفوس هو اعتداء على حق الحياة ذاته، الحق الذي تشترك فيه كل النفوس.

 

* كذلك دفع القتل عن نفس، واستيحاؤها بهذا الدفع- سواء كان بالدفاع عنها في حالة حياتها أو بالقصاص لها في حالة الاعتداء عليها لمنع وقوع القتل على نفس أخرى- هو استحياء للنفوس جميعًا، لأنه صيانة لحق الحياة الذي تشترك فيه النفوس جميعًا.

 

* ثم قرن الله قتل النفس بالفساد في الأرض، وجعل كلاً منهما مبررًا للقتل، واستثناء من صيانة حق الحياة، وتفظيع جريمة إزهاق الروح.

 

* حق الحياة: لم يُخول أحد فيه لأنه حق للواهب.

حتى في إجهاض الجنين على أهله الدية للورثة.

 

ثانيًا: الحديث:

- عن ابن مسعود قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

"أول ما يُقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء" (البخاري ومسلم).

 

- عن ابن عمر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يُصب دمًا حرامًا" (البخاري).

 

- عن عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل رجل مسلم" (مسلم).

 

- عن أبي سعيد وأبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو أن أهل السماء وأهل الأرض اشتركوا في دم مؤمن لأكبهم الله في النار" (الترمذي وقال حسن غريب).

 

- عن عبد الله بن عمرو قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بالكعبة ويقول: "ما أطيبك وما أطيب ريحك، ما أعظمك وما أعظم حرمتك، والذي نفس محمد بيده لحرمة المؤمن عند الله أعظم من حرمتك، ماله ودمه" (ابن ماجه).

 

- عن أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أعان على قتل مؤمن بشطر كلمة لقي الله مكتوبًا بين عينيه، آيس من رحمة الله" (ابن ماجه وغيره).

 

وزاد سفيان بين عيينة: هو أن يقول "أُقْ".

ثالثًا: من صور القتل:

القتل إما مباشر أو غير مباشر.. فعل ما يؤدي إلى القتل.

1- ضرب الرقاب.

2- ما يؤدي إلى القتل: ففي الحديث نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن كل عمل يؤدي إلى القتل أو القتال ولو كان إشارة بالسلاح: "لا يُشر أحدكم إلى أخيه بالسلاح فإنه لا يدري لعل الشيطان ينزع في يده فيقع في حفرة من النار" (رواه البخاري)، بل قال عليه السلام: "من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه حتى ينتهي وإن كان أخاه لأبيه وأمه" (رواه مسلم).

 

3- القتل بالتخويف: ففي الأثر، المرأة التي فزعت من عمر بن الخطاب صلى الله عليه وسلم نزل مولودها ثم مات فدفع ديته الخليفة عمر بن الخطاب.

 

وفي الحديث: "لا يحل لمسلم أن يروع مسلمًا" (رواه أبو داود والطبراني ورواته ثقات)، أي يخيفه ويفزعه.

 

4- القتل بالحصار (كما في غزه منذ سنوات إلى الآن).

 

5- القتل بالحبس: لحديث "دخلت امرأة النار في هرة.....".

 

يقول د. القرضاوي (5):

"ولا يقف الإثم عند حد القتال وحده بل كل من شاركه بقول أو فعل يصيبه من سخط الله بقدر مشاركته، حتى من حضر القتل يناله نصيب من الإثم ففي الحديث "لا يقضن أحدكم موقفًا يقتل فيه رجل ظلمًا، فإن اللعنة تنزل على من حضره ولم يدفع عنه" (رواه الطبراني والبيهقي بإسناد حسن).

 

المحور الخامس: المطلوب:

يقول الأستاذ الرائد د. محمد عمارة رائد الفكر الإسلامي المعاصر: (نظام مبارك فكك مصر وباعها خردة) (6).

 

أقول: وهذا تشبيه غير مسبوق يصور حقيقة الموقف، كما أطلق الأستاذ الرائد أيضًا على نظام مبارك أنه (نظام العار).

 

وأقول: إن المصريين الآن يعملون على إعادة تجميع مصر، فالعمال في المصنع الكبير أو الورشة لا بد أن يكون شغلهم الشاغل تجميع المعدات والأجهزة وإعادة عجلة الإنتاج، وهم في سبيل هذا الهدف العظيم ينبغي ألا تشغلهم سفاسف الأمور في الورشة، ليس المهم مَن الذي يناول المفتاح ومَن يربط الصامولة، ولا تشغلهم مسميات العدد والأدوات، أنا أريد المفتاح (مفتاح زاوية- مشرشر- لقمة...). المهم يتم ربط المسمار والاتجاه إلى غيره وهكذا.

 

لا تشغلهم الثياب والاتجاهات والهيئات ولا المرجعيات ولا الأيديولوجيات، فالكل داخل المصنع الكبير (الورشة) لا بد أن يعمل، المهم الإنتاج وليس المهم شكل (العامل- الصانع)، يقول الشاعر:

لا تحقرن الرأي وهو موافق الصواب  حتى وإن أتى من ناقص

فالدُر وهو أغلى ما يقتنى لا يُنقـص  من قدره شكل الصائـد

 

المهم أن نكون صيادين مهرة نصطاد (الدنيس- الأروص- البوري- البلطي...)، وإذا علق بالشبكة بعض القواقع وحشرات البحر نَحيِّناها جانبًا.

 

واتجهنا إلى المطلوب:

1- احذر الشائعات تصديقًا أو ترديدًا.

2- احذر أن تُدفع أو تساعد أو تشارك في أعمال تضر بمنشآت مصر أو اقتصاد مصر.

3- الأخذ علي أيدي العابثين: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (105)) (المائدة).

يقول الشيخ الشعراوي رحمة الله: من هدايتكم أن تضربوا على أيدي العابثين.

4- المحافظة على السفينة، فكلنا ركابها، فإذا انخرق قعرها في الطابق الأسفل لم ينج من الغرق ركاب الطابق الأعلى ومسئولية نجاة السفينة مسئولية الركاب جميعًا والقائد، لحديث النعمان بن بشير: "مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا علي سفينة..." (7).

5- الدعاء لله تعالى أن يبلغ مصر بر الأمن والأمان وأن يحفظ مصر من كل مكروه وسوء. آمين

------------

* الهوامش:

1- في ظلال القرآن 2247, ج4

2- في ظلال القرآن 2372 ج4

3- مختصر بن كثير, ج1, ص 506

4- في ظلال القرآن, ج2, ص 874 : 876

5- الحلال والحرام, د/ القرضاوي, ص 282

6- في لقائه مع قناة الشباب.

7- رواه البخاري

-------

** الباحث في العلوم الشرعية ومن علماء الأزهر الشريف