منذ أن تلقيتُ نبأ رحيل المهندس محسن القويعي أحد قيادات الإخوان في محافظة البحيرة قبل أيام، وصورته لا تكاد تفارق مخيلتي، و"قفشاته" الدالة لا تبرح ذاكرتي، ولطائفه النادرة تتوارد على خاطري، ومواقفه المفعمة بالحيوية والإيجابية تمرُّ أمام ناظري وكأنها فيلم تسجيلي، وضع الموت حدًّا لنهايته المؤلمة، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرحم فقيد الدعوة، وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يلهم آله وذويه وتلامذته الصبر والسلوان.
المهندس محسن أو كما كان يلقبه محبوه "الحاج محسن"، من خيرة الإخوان الذين عرفتهم، التقيته مرات عديدة منذ أن كنتُ طالبًا في الجامعة أواخر التسعينيات، وبعد التخرُّج إلى أن غادرت مصر لأقيم بالخارج قبل عشر سنوات، أحببته حبًّا جمًّا، وتعلقتُ بلقاءاته وشخصيته المرحة ونفسه العالية وروحه الوثابة، وتعلمتُ منه الكثير والكثير، فقد كان دائم النصح والتوجيه، والحرص على أن يرى من بين الإسلاميين سياسيين ومفكرين وإعلاميين محترفين، وكان بحقٍّ من القلائل الذين تركوا بصمةً في حياتي.
لقد عرفتُ الحاج محسن مثقف الفكر، واسع الاطلاع، حريصًا على اقتناء الدوريات والتقارير الرصينة، راصدًا بارعًا للأحداث ومحللاً لها، صاحب رؤية نقدية، كنتُ أزوره في بيته فأراه غارقًا بين الكتب والإصدارات، متابعًا جيدًا للكتابات الإسلامية والمناوئة على السواء، كان حينما يُقيِّم كاتبًا لا يبخسه حقَّه حتى لو كان مخالفًا في الفكر والتوجه، لم يتعالَ على الآخرين، كان يتجاذب أطراف الحديث مع رواده، وإن كانوا أقل منه ثقافةً واطلاعًا ولا يُشعرهم بذلك، وإنما يدير الحوار وكأنه بين متكافئين.
الشجاعة الأدبية والجرأة في الحق والحكمة كانت مزيجًا في شخصيته، وعناوين رئيسة في حياته، يقول الحق ولو كان مُرًّا، اعتُقل ذات مرةٍ على خلفية أحد استفتاءات الرئيس المخلوع، وحينما تحدث معه زبانية أمن الدولة عن موقفه من الاستفتاء، أصرَّ أن يقول "لا" بكل شجاعةٍ وبالفم المليان، ودون خوفٍ أو وجل، وهو يعرف ضريبة ذلك، بل وأخذ يعدد لهم حيثيات رفضه، وظلَّ في غياهب سجون مبارك لفترةٍ ثم خرج أكثر شجاعةً وانطلاقًا، وحوكم عسكريًّا زورًا وظلمًا وبهتانًا مع نخبةٍ من قيادات الإخوان والعمل النقابي وخرج كذلك من محنته أكثر تمسكًا بمبادئه ودفاعًا عن أفكاره وأصلب عودًا.
أذكر أنه في انتخابات 1987م كان رحمه الله مرشحًا على المقعد الفردي في دمنهور ضمن تحالف الإخوان مع حزب العمل والأحرار، وكنت وقتها طالبًا في الجامعة، ولما رآني والدي مهتمًا بالانتخابات، ومتفاعلاً مع شباب الإخوان، هددني وتوعدني؛ لأنه- أي والدي (حفظه الله) كان قريبًا من الحزب الوطني بوصفه شيخًا لبلدنا، وعندما ذكرتُ له محاسن الإخوان ونجاعة منهجهم ووطنية رموزهم وحرصهم على الإصلاح ومقاومة الفساد، وفي المقابل عددتُ له مثالب الحزب الوطني المنحل، وأشرتُ إلى فساد قياداته، وهنا ازداد في تهديدي، ليس لأنه غير مقتنع بكلامي، ولكن بدافع الخوف على مستقبلي.
وفي يوم الانتخابات، وجدني أمام لجنة الانتخابات أُباشر حقي السياسي، وأتحمُّل مسئولية خياراتي، ظلَّ يراقبني طيلة الوقت، ومرَّ اليوم بسلام، وعندما عدنا إلى بيتنا في المساء، وتجاذبنا أطراف الحديث أخبرني أنه صوَّت للنجمة رمز التحالف والفأس رمز "الحاج محسن"، وأكد أن ضميره لم يسمح له بالتصويت لمرشحي الحزب المنحل، وبعدها أجرى والدي- حفظه الله- عمليةً جراحيةً في مستشفى دار السلام التابعة للجمعية الطبية الإسلامية في دمنهور، وأحاطه أطباء الإخوان بالرعاية والاهتمام كما هو دأبهم مع الجميع، ومنذ ذلك الحين وهو يؤيد الإخوان ويُكنُّ لهم كل احترام وتقدير.
كان الراحل يقف إلى جوار إخوانه في أفراحهم وأتراحهم، وأذكر أنه يوم أن حددت موعدًا لعقد قراني في القاهرة 1995م، أخبرته قبل الموعد بفترةٍ غير قصيرة، وكنتُ أظن أن كثرة أعبائه ستنسيه الموعد ولن تُمكنه من المشاركة، وإذا بي أتلقى في اليوم المحدد اتصالاً هاتفيًّا منه للاستدلال على العنوان، وقد تكبَّد عناء السفر من دمنهور إلى القاهرة وبصحبته الحاج عبد الله المسيري، وكان أستاذي صلاح عبد المقصود الكاتب الصحفي المعروف يُقدِّم الحفل فأعطاه الكلمة ليتحدث باسم إخوان البحيرة، وإذا به كعادته ثائرًا يتحدث عن التحديات التي تواجه الأسرة المسلمة كإحدى لبنات الأمة الإسلامية، وأخذ يسترسل في رصد التحديات، ويتوسع فيها حتى وصل إلى تحدي "الاختراق الصهيوني للزراعة المصرية"، لا سيما أنه كان مهندسًا زراعيًّا، ويُدرك المصائب والأهوال التي جرَّتها سياسات يوسف والي على الزراعة، وكنت كلما زرته بعدها يوصيني خيرًا بزوجتي ووالديها ويسألني عنهم.
سمعته غير مرة يقول إن "حسن البنا" كان رجلاً عبقريًّا، وأتصور أن من هذه العبقرية ما جعل المهندس الزراعي والطبيب والمعلم بل والكهربائي والميكانيكي والعامل البسيط يتعلمون أصول دينهم ويهتمون بشئون أمتهم.
رحم الله "الحاج محسن" الذي كان يجوب النجوع والكفور والقرى والمدن داعيةً إلى الله، وحاملاً الفكر الإسلامي الوسطي الذي يجمع ولا يُفرِّق، ويبني ولا يهدم، وكان من صفاته رحمه الله أنه يألف ويُؤلف، يُصادق الصغير والكبير، ماهر في إزالة الحواجز، بسيط غير متكلف، متواضع غير متعالٍ، بعيد النظر؛ ما جعله يكتسب حب الكثيرين إسلاميين وغير إسلاميين، كنتُ أراه يمشي في الشارع وكأنه يعرف الجميع، وكأنَّ الجميع يعرفه، يتبادل معهم التحيات والسلامات، ويسأل هذا الشخص أو ذاك، وكأنه رجل علاقات عامة من طرازٍ فريد.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يغفر له ويرحمه، وأن يُكرم نزله ويُوسِّع مدخله، وأن يُدخله فسيحَ جناته، ويتقبَّله في الصالحين، وإنَّ العينَ لتدمع، وإنَّ القلبَ ليحزن، وإنا لفراقك يا "حاج محسن" لمحزونون.
و"إنا لله وإنا إليه راجعون"